تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
غير أن نفس ابن بطوطة تافت إلى التّرحال من جديد ، فقام برحلة ثانية إلى الأندلس عام 751 ه ، وبعدها عاد إلى فاس عاقدا العزم على السفر في رحلة ثالثة ليزور بلاد المسلمين في السودان الغربي عام 753 ه ، فوصل إلى مالي ونهر النيجر ووصف أحوال سلطنة مالي وعجائب حيواناتها وحياة سكانها عموما . ثم عاد في العام التالي إلى مدينة فاس فأقام بها حتى وفاته عام 770 ه . وما من شك في أن رحلات ابن بطوطة تحتل موقع الصدارة المطلقة بين مصادر تراثنا الأدبي الجغرافي ، وهي من أكثرها أهمية وفائدة وطرافة وإمتاعا ، وأكثر ما يميّزها أن صاحبها لم يكن ناقلا عن غيره فيما كتب بل كان يصف ما رآه بأم عينه في محيط أسفاره الواسعة التي تجاوزت 175 ألف ميل ، أي أكثر من محيط الأرض بأربعة مرّات ونيّف . ولم يتجاوز ابن جزيّ الصواب عندما وصف ابن بطوطة بأنه « رحّال العصر » ، بينما يرى كراتشكوفسكي أنه كان آخر جغرافي عالمي من الناحية العملية ، وأنه يعتبر المنافس الأبرز لمعاصره الرّحّالة البندقي ماركوپولو الذي طبّقت شهرته الآفاق . وأحسن تصوير لأهمّية رحلات ابن بطوطة الثلاث ، ما رواه العلّامة الكبير ابن خلدون في مقدّمته بأواخر القرن الثامن الهجري ، إذ قال : « ورد بالمغرب ، لعهد السّلطان أب عنان ، من ملوك بني مرين ، رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة ، كان رحل من عشرين سنة قبلها إلى المشرق ، وتقلّب في بلاد العراق واليمن والهند . ودخل مدينة دهلي ، حاضرة ملك الهند ، وهو السّلطان محمد شاه ، وكان له منه مكان ، واستعمله في خطّة القضاء بمذهب المالكيّة في عمله » . « ثم انقلب إلى المغرب ، واتّصل بالسّلطان أبي عنان . وكان يحدّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض ، وأكثر ما كان يحدّث عن دولة صاحب الهند ، ويأتي من أحواله بما يستغرب به السّامعون ، مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السّفر ، أحصى أهل مدينته من الرّجال والنّساء والولدان ،