تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
والجبل فلا يزال عيشها هنيئا ولا يبرح سمكها طريئا وجبنها طريئا وان لم يكن فيها سوى بساتينها التي لا يشبهها في الدنيا شئ سوى غوطة دمشق وما يقال عن شعب بوّان وصغد سمرقند وربما كانت رقعة بساتين بلنسية أرحب وكان مداها أطول لأن المسافر يلبث في القطار الحديدى عدة ساعات لا يقع نظره الا على دوح ملتف وجنان لا تكاد تنفذ خلالها الشّمس إلى أن يصل المدينة وهي اليوم البلدة الثالثة في إسبانية من جهة عدد السكان وأهلها يزيدون على 233 ألف نسمة لا يفوقها سوى مجريط وبرشلونة وهي مركز ولاية بلنسية وفيها مدرسة جامعة ودار أسقفية وبينها وبين البحر مسافة لا تزيد على أربعة كيلومترات وبجانبها نهر يقال له وادى الابيار
raivaladauG
وقيل وادى الأبيض وانما حرفه الاسبانيون عن لفظه الأصلي وقد سبق نقلنا لما ذكره عن بلنسية صاحب نفح الطيب بحيث لانحتاح إلى التكرار وما أنشده من الشعر الذي قيل إنه في محاسنها ، ويعجبني منه قول مروان بن عبد اللّه بن عبد العزيز أمير بلنسية يصف بلدته :
كأن بلنسية كاعب * وملبسها سندس أخضر إذا جئتها سترت نفسها * بأكمامها فهي لا تظهر
وهو شعر مطابق للواقع لأن المسافر لا يرى بلنسية حتى يصير في وسطها وذلك من كثرة جنانها التي تغطيها ومع هذا فالنظر يسرح منها إلى مسافة عشرين كيلومترا في الجبال التي إلى غربيها ويرى قلعة مربيطر في شماليها وجبل القنت في الجنوب الشرقي منها ولقبابها المرصعة بالزليج الأزرق والأبيض والمذهب منظر شائق تحت أشعة الشمس الحادة . وكان الأقدمون يقولون إن بلنسية قطعة سقطت من السماء . ونقل بديكر أن العرب كانوا يسمونها مدينة أبى طرب وأنهم عندما فارقوها أكثروا من النواح عليها ورثوها بالقصائد وأنشد شعرا بالأسبانيولى قال إنه ترجمة نشيد عربى قاله العرب في بلنسية عند مافارقوها ، ومعناه أنه كلما ظهرت محاسنها ازدادت الحسرة عليها . وسنأتي في هذا الكتاب على بعض ما قيل في بلنسية من المراثى .