أبو عبد اللّه من أهل المعارف الجمة والاتقان لصناعة الحديث والمعرفة برجاله والتقييد لغريبه واتقان ضبطه والمعرفة بالعربية والأدب والنسب والتاريخ متقدما في ذلك كله أما الكتابة والنظم فهو امامهما المتفق عليه والمتحاكم فيهما اليه ولما ذكره أبو القاسم الملاحى بنحو ذلك قال : لم يكن في عصره مثله مع دين وفضل وورع . قال أبو عمر ابن الإمام الأشجعي في « سمط الجمان » لما ذكره : البحر الذي لا يجتاح ولا يشاطر والغيث الذي لا يساجل ولا يقاطر والروض الذي لا يفاوح ولا يعاطر والطود الذي لا يزاحم ولا يخاطر الخ وذكره الفتح في « قلائد العقيان » فقال إنه وإن كان خامل المنشأ فقد تميز بنفسه وتميز من أبناء جنسه وظهر بذاته وفخر لداته . ونقل لسان الدين عن أبي جعفر بن الزبير أن المترجم أخذ عن الغسّانى وابن البادش وأبى عمران بن تليد وأبى بحر الأسدي وغيرهم قال . وأما كتبه وتواليفه الأدبية فكل ذلك مشهور متبادل بأيدي الناس وقلّ من يعلم بعده ممن يجتمع له مثله رحمه اللّه . روى عنه ابن بشكوال وابن جيش وابن مضاء ومن شعره مخمسا وكتبها من مراكش يتشوق إلى قرطبة :
بدت لهم بالغور والشمل جامع * بروق بأعلام العذيب لوامع
فباحت بأسرار الضمير المدامع * وربّ غرام لم تنله المسامع
ودام بها من فيضها المتصوّب
وإليك هذا الأنموذج من نثره وهو كتابة منه إلى الوزير أبى بكر بن عبد العزيز عن رسالة كتب بها اليه مع حاج يضرب بالقرعة :
أطال اللّه بقاء وليّى الذي له اكبارى واعظامى وفي سلكه انتساقى وانتظامى للفضائل محيّيا ومبتديا ، وللمحامد مشتملا ومرتديا ، وللغرائب متحفا ومهديا وصل كتابه صحبة عرّاف اليمامة وحادي نجد وتهامة ، الظهور يقرطسه ويحلّيه ، والخفاء يظهره ويبديه ولعله رائد لابن صيّاد أو معاند للمسيح الدجال معاد فأبدى شهادة انصاف ان عنده أصداف ولو كان هناك نظر صادق صاف ، لقلت هو باد غير خاف ، من بين كل ناعت وصّاف ، وسأخبرك أيّدك اللّه بما اتفق ، وكيف طار ونعق ، وتوسد الكرامة وارتفق فامتدت نحوه النواظر واستشرفه الغائب والحاضر ، وتسابق اليه النابه والخامل