تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الأحوال وأهل الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب . هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك ولا تعترض الرعايا ولا التجار فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه واللّه يعلى كلمة الاسلام بمنه . ولهذه البلد قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد وهي بإزاء باب الفرج من أبواب البلد وبها جامع السلطان يجمع فيه وعلى مقربة منها خارج البلد في جهة الغرب ميدانان كأنهما مبسوطان خزّا لشدة خضرتهما وعليهما حلق والنهر بينهما وغيضة عظيمة من الحور متصلة بهما وهما من أبدع المناظر يخرج السلطان اليهما ويلعب فيهما بالصوالجة ويسابق بين الخيل فيهما ولا مجال للعين كمجالها فيهما ، وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان اليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة « 1 » . وبهذه البلدة أيضا قرب مائة حمام فيها وفي أرباضها وفيها نحو أربعين دارا للوضوء يجرى الماء فيها كلها وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب لأن المرافق بها كثيرة . وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية واللّه يبقيها دارا سلام بمنه . وأسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما وأبدعها وصفا ولا سيما قيسارياتها وهي مرتفعات كأنها الفنادق مسقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور وكل قيسارية منفردة بصبغتها وأغلاقها الحديدية ولها أيضا سوق يعرف بالسوق الكبير يتصل من باب الجابية إلى باب شرقي ( إلى أن يقول ) : ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة بقرّاء يقرأون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا يرفعون أصواتهم بها فتتلاقى الآذان بأدمع الأجفان وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة فلا بد لكل جنازة من الجامع فإذا انتهوا إلى بابه قطعوا القراءة ودخلوا إلى موضع الصلاة عليها إلّا أن يكون الميت من أئمة الجامع أو من
هامش
( 1 ) يعنى بذلك المرجة التي في أول دمشق