تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه هي بين المقصورتين القديمة والحديثة لها وقف معلوم يأخذه المستند إليها للمذاكرة والتدريس أبصر نابها فقيها من أهل إشبيلية يعرف بالمرادىّ . وعند فراغ المجتمع السبعىّ من القراءة صباحا يستند كل انسان منهم إلى سارية ويجلس أمامه صبىّ يلقنه القرآن وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة فأهل الجدة من آبائهم ينزهون أبناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذونها وهذا من المفاخر الاسلامية . وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم وهذا أيضا من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد . وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها انما هو نلقين ويتعلمون الخط في الأشعار وغيرها تنزيها لكتاب اللّه عز وجل عن ابتذال الصبيان له بالاثبات والمحو وقد يكون في أكثر البلاد الملقّن على حدة والمكتّب على حدة فينفصل من التلقين إلى التكتيب لهم في ذلك سيرة حسنة ولذلك يأتي لهم حسن الخط لأن المعلم له لا يشتغل بغيره فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبى في التعلم كذلك ويسهل عليه لأنه بتصويره يحذو حذوه . ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات في كل جانب سقاية كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية والماء يجرى في كل بيت منها وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة أنابيب منظمة بطوله وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي أكبرها وفيها من البيوت ما ينيف على الثلاثين وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكاد ان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية والواحد بعيد من الآخر ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا والماء نابع فيهما . والثانية في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة وهذه أيضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم والبلد كله سقايات قلّ ما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه من سقاية . والمرافق به أكثر من أن توصف واللّه يبقيه دارا سلام بقدرته .