ومن أمثلة بيان ابن جبير قوله عن الشام
وكل من وفقه اللّه بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم ان أحب ضيعة من الضياع فيكون فيها طيب العيش ناعم البال وينهال الخبز عليه من أهل الضيعة ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء ومتى سئم المقام خرج إلى ضيعة أخرى أو يصعد إلى جبل لبنان أو إلى جبل الجودى فيلقى بها المريدين المنقطعين إلى اللّه عز وجل فيقيم معهم ما شاء وينصرف إلى حيث شاء . ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به أحد المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم ويقولون هؤلاء ممن انقطع إلى اللّه عز وجل فتجب مشاركتهم . وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا فيه أنواع الفواكه وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة وقل ما يخلو من التبتيل والزهادة وإذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض ومن أعجب ما يحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى وربما يلتقى الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم شاهدنا في هذا الوقت الذي هو شهر جمادى الأولى من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك وهو من أعظم حصون النصارى وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر بينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشفّ قليلا وهو سرارة « 1 » أرض فلسطين وله نظم عظيم الاتساع متصل العمارة يذكر أنه ينتهى إلى أربعمائة قرية فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم . وهي من الأمنة على غاية وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع
هامش
( 1 ) سرارة الأرض : أطيبها