البطليوسى وأبو مروان بن سلمة الوشقى وأبو القاسم بن بشكوال وغيرهم وكتب اليه من الإسكندرية أبو طاهر السلفي وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية مع وفور حظه منها وميله فيها إلى الأعلام المشاهير دون اعتبار لعلوّ الأسانيد وولى خطة الشورى في حياة شيوخه وزاحم كبارهم في الحفظ والتحصيل ولم يكن في وقته بشرقى الأندلس له نظير كان رأسا في العلماء الراسخين وصدرا في الفقهاء المشاورين تقدم في الفتيا واطلع على الآداب واضطلع بالغريب وشارك في التفسير وتحقق بالقراءات ، وأما عقد الشروط فاليه انتهت الرآسة فيه وبه اقتدى من بعده لم يسبقه أحد من أهل زمانه إلى ما تميز به في ذلك مع حسن الخط وبراعة الضبط والبصر بالحديث والحفظ للأنساب والأخبار وله تنابيه في فنون شتى ولو عنى بالتأليف لأربى على من سلف ، وكان كريم الخلق عظيم القدر سمحا جوادا وولّى قضاء بعض الكور النبيهة وخطب بجامع بلنسية وقتا .
قال ابن الأبار : ولم يحظ بعلومه حظوة غيره وامتحن بالولاة والقضاة وكانوا يجدون السبيل اليه بفضل دعابة كانت فيه مع غلبة السلامة عليه في إعلانه واسراره واستغراق آناء ليله في تلاوة القرآن وأطراف نهاره وكان على سعة علمه مزجى البضاعة في نظمه وكان نثره أصلح منه ، وأنشدني ابنه أبو الحسن محمد غير مرة قال : أنشدني أبى لنفسه
كأن يقيننا بالموت شك * وما عقل من الشهوات يذكو
أرى الشهوات غالبة علينا * وعند المتقين لهن فتك
هكذا كان ينشدنا غير مرتاب ولم أزل في ذلك معوّلا على ضبطه حتى أفادنى بعض أصحابنا في تونس في أول سنه 645 أو قبلها بيسير قطعة نسبها إلى ابن المعتز وأولها :
كأن يقيننا بالموت شك * ولا عقل مع الشهوات يذكو
لهونا والحوادث دائبات * لهن بمن قصدن اليه فتك
وفي الأحداث من أهل الملاهي * رهائن لا تعاد ولا تفك
وللدنيا عدات بالتمنى * وكل عداتها كذب وإفك
ويشبه أن يكون أبو الحسن سمع أباه رحمه اللّه يتمثل بهذين البيتين فحسبهما من