تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا ، وأشد استيلاء ، سنة اربع وتسعين وثلاثمائة
هامش
قال لسان الدين بن الخطيب : وأصل رحمه اللّه الغزو بنفسه فيما يناهز سبعين غزوة ، وفتح فيها البلاد ، وخضد شوكة الكفر ، وأذل الطواغيت ، وفض مصاف الكفار ، وكسر الصلبان ، وبلغ الأعماق ، وضرب على العدو الضرائب ، إلى أن تلقاه عظيم الروم نفسه ببنته ، واتحفه بها في سبيل الرغبة في مهره ، فكانت أحظى عقائله ، وأبرت في الدين والفضل على سائر أزواجه . انتهى . نقل هذا دوزى في كتابه « المباحث عن تاريخ إسبانية وآدابها في القرون الوسطى » وقد سمى المؤرخون غزاة المنصور الأخيرة التي توفى على أثرها بغزاة قلعة انيازورCalatanazorوزعم مؤرخو الاسبانيول مثل لوكاس دوتوىLucas de Tuyولذريق الطليطلىRodrigue de Toledeأن المنصور انكسر في تلك الغزاة ، وقد فند دوزى زعمهم بما سنذكره في القسم التاريخي من هذا الكتاب ، عند الوصولى إلى أخبار الدولة العامرية وجاء في نفح الطيب نقلا عن ابن حيان : ثم خرج المنصور لآخر غزواته ، وقد مرض المرض الذي مات فيه ، وواصل شن الغارات ، وقويت عليه العلة ، فاتخذ له سرير خشب ، ووطئ عليه ما يقعد عليه ، وجعلت عليه ستارة ، وكان يحمل على أعناق الرجال ، والعساكر تحف به ، وكان هجر الأطباء في تلك العلة ، لاختلافهم فيها ، وأيقن بالموت ، وكان يقول : إن زماني يشتمل على عشرين الف مرتزق ، ما أصبح فيهم أسوأ حالة منى . ولعله يعنى من حضر معه تلك الغزاة ، وإلا فعساكر الأندلس ذلك الزمان أكثر من ذلك العدد ، واشتغل ذهنه بأمر قرطبة ، وهو في مدينة سالم ، فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته ، وخلا بولده ، وكان يكرر وصايته ، وكلما أراد أن ينصرف يرده ، وعبد الملك يبكى ، وهو ينكر عليه بكاءه ، ويقول : وهذا من أول العجز . وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر ، وخرج عبد الملك إلى قرطبة ، ومعه القاضي أبو زكوان ، فدخلها أول شوال ، وسكن الأرجاف بموت والده ، وعرف الخليفة كيف تركه ، ووجد المنصور خفة فأحضر جماعة بين يديه ، وهو كالخيال لا يبين الكلام ، وأكثر كلامه بالإشارة كالمسلم المودع ، وخرجوا من عنده ، فكان آخر العهد به . ومات لثلاث بقين من شهر رمضان ، وأوصى أن يدفن حيث يقبض ، فدفن في قصره بمدينة سالم ، واضطرب العسكر ، وتلوم ولده أياما ، وفارقه بعض العسكر إلى هشام ، وقفل هو إلى قرطية ، فيمن بقي معه ، ولبس فتيان
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 83 | شكيب أرسلان