ببر العدوة استصحب معه قاضيا محمد بن أبي عامر ، فاتصل به ، وانعقدت بينهما مودة أكيدة ، انتهت بأن غالبا أزوج محمد بن أبي عامر ابنته ، وبواسطة هذه المصاهرة ترقى ابن أبي عامر . وحاز رتبة ذي الوزارتين ، وما زال يترقى في الدولة حتى صار هو الحاجب الكبير ، وحتى غلب على الدولة كلها ، وحجر الخليفة هشام ، ولم يبق له إلا اسم الخلافة ، وأخيرا وقعت الوحشة بين القائد الكبير غالب بن عبد الرحمن وصهره محمد بن أبي عامر ، الذي تلقب بالمنصور ، وذلك بعد أن استفحل أمره ، ورأى فيه غالب خطرا على الدولة ، فأدى ذلك إلى الحرب بينهما ، وجرح غالب بن عبد الرحمن في الواقعة ومات ، وفقدت الدولة الأموية بموته ركنا من أعظم أركانها .
وفي مدينة سالم هذه دفن المنصور بن أبي عامر ، كما هو معروف في التاريخ ، وكان قد توفى في الغزوة الأخيرة « 1 » . فاحتملوه إلى مدينة سالم ، ودفن بها قال ابن خلدون :
هامش
( 1 ) هذه الغزاة يسميها العرب بغزاة قنالش والدير ، لأن المنصور وصل فيها إلى قنالش ، وهي على مقربة من ناجرة ولو كرونى من مقاطعة ريوجهRioja. وأما الدير فالمرجح أنه ديرسان ميلان ، شفيع قشتالة . وقد هدمه المنصور بتلك الغزاة فيما هدم من الأديار ، ووجدت كتابة من شانجه الكبير ملك نبارة مؤرخة في 1027 تدل على هذا الحادث ، وكان المنصور عندما قام رحمه اللّه بهذه الغزاة يشكو المرض ، ولم يقعده ذلك عن الزحف بنفسه ، وعبثا حاول الأطباء أن يمنعوه من الخروج ، فإنه أصر وصمم على الغزو ، وكان معتقدا أن مرضه غير قابل للشفاء . فلما خرج للغزو اشتدت به الآلام وأصبح غير قادر على الاستقلال بجواده ، حملوه في محفة على أكتاف الرجال وبقي يحمل في المحفة أربعة عشر يوما ، ولما وصل إلى مدينة سالم استدعى ولده الأكبر عبد الملك ، وأمره بالرجوع إلى قرطبة ، وتسليم قيادة الجيش إلى أخيه عبد الرحمن ، وذلك لأن المنصور كان يتوجس عند موته خيفة الانتقاض في قرطبة على الدولة العامرية ، وكان يحتاط لأجل توطيد الحكم لأولاده ، فلما ذهب عبد الملك راجعا إلى قرطبة أفاق المنصور بعض الشئ ، واستدعى كبار القواد ، وودعهم ، وأوصاهم بما يجب على مثله أن يوصى به في وقت كهذا ، ثم أسلم الروح في ليلة الاثنين 10 أغسطس عام 1002 من التاريخ المسيحي ، وكانت تلك الغزاة مقرونة بالنصر لغيرها من غزوات المنصور التي قيل إنها بلغت أربعا وخمسين غزوة ، وقيل ستا وخمسين ، وقيل سبعين غزوة