ثم سرنا فمررنا على عين ماء هناك تسمى بعين العسل ، فشربنا من مائها الزلال البارد من غير كسل ، وقلنا في ذلك :
بنابلس عين ماء جرت * تزيد الشّفا من بتلك اغتسل
مياه بها حلوة عذبة * ولا عجب فهي عين العسل
ثم توجهنا إلى جهة مسجد الخضراء ، وهاتيك الرّوضة النّضراء ، وكانت النسمات عطرة الهبوب ، والأزاهير متنوّعة الضّروب ، فدخلنا إلى جامع قديم البنيان ، متهدّم الجوانب والأركان ، فيه بركة من الماء كبيرة ذات الطول والعرض ، مرّبعة الجوانب مساوية للأرض ، والماء يجري فيها من أفواه سواقيها ، وحولها الأشجار والبساتين ، والأزهار والريّاحين ، وقبليّ البركة مسجد للصلوات ، فيه محراب وسقفه معقود بالقبو من الأحجار المنحوتات ، في داخله مغارة يقال إنّ ولادة أولاد يعقوب عليهم السّلام كانت فيها ، وأنّ ذلك المسجد كلّه كان بيتا ليعقوب عليه السّلام ، وتلك نقول لم نزل العامّة ترويها ، فصلينا في ذلك المسجد صلاة الظهر ، وصلاة العصر ، وحصل الفرج وزال الضيق والحصر ، وحصل لنا كمال السّرور ، وتمّ الشهود والحضور ، ونظمنا هذه الأبيات التي هي كالعقود في النّحور وهي قولنا :
[ وصف المسجد الشعرا ]
بنابلس جئنا إلى مسجد الخضرا * وزرنا مروج الزهر والروضة الخضرا
وبركتها تلك التي قد تدفّقت * لسائل ماء جاءها تظهر النّهرا
إذا قام من تلك النسائم منشد * رأيت بها الأشجار قد عقدت ذكرا
/ وإن غرّد الشحرور نسمع للصّبا * خلال الرّبا طبلا ، وطورا له زمرا
وترقص بالأكمام أغصانها التي * رأينا لطيّ الزّهر من أوجها نشرا
تبارك من أبدى على شجراتها * نوافج زهر الحمض يستودع العطرا
وجلّ الذي أهدى من الورد أكؤسا * لها كفّ غيد بالندى ملئت خمرا
أقمنا بها فرض الصّلاة جماعة * ونلنا بحمد اللّه من ربّنا أجرا
وما راعنا إلا انهدام جوانب * لها مثل ذات الخدر قد كشف خدرا