تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
رجاء أن تفيق فترفع إليّ ذلك ؛ وقد علمت أنّه لم يمنعك من ذلك إلّا عمّالك عمّال السوء ، وما توالس « 1 » عليه وتلفّف ؛ اتّخذوك كهفا . وعندي بإذن اللّه دواء فيه شفاء عمّا أسألك عنه ؛ فلا تجزع أبا عبد اللّه أن يؤخذ منك الحقّ وتعطاه ؛ فإن النّهز « 2 » يخرج الدّرّ « 3 » ، والحقّ أبلج ، ودعني وما عنه تتلجلج ، فإنه قد برح الخفاء . والسلام . فكتب إليه عمرو بن العاص :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص ؛ سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ؛ أمّا بعد ، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الّذي استبطأني فيه من الخراج ، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبل ، وإعجابه من خراجها على أيديهم ، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام . ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر ، والأرض أعمر ، لأنّهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب في عمارة أرضهم منّا منذ كان الإسلام . وذكرت بأن النّهز يخرج الدرّ ، فحلبتها حلبا قطع ذلك درّها . وأكثرت في كتابك ، وأنّبت ، وعرّضت وثرّبت « 4 » ؛ وعلمت أنّ ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر ؛ فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات ؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق . وقد عملنا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولمن بعده ؛ فكنّا بحمد اللّه مؤدّين لأماناتنا ، حافظين لما عظّم اللّه من حقّ أئمتنا ، نرى غير ذلك قبيحا ، والعمل به سيّئا ، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا . معاذ اللّه من تلك الطعم ، ومن شرّ الشّيم ، والاجتراء على كلّ مأثم ؛ فاقبض عملك ؛ فإنّ اللّه قد نزّهني عن تلك الطّعم الدنيّة والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا . واللّه يا بن الخطاب ؛ لأنا حين يراد ذلك منّي أشدّ لنفسي غضبا ، ولها إنزاها وإكراما . وما علمت من عمل أرى عليّ فيه متعلّقا ؛ ولكنّي حفظت ما لم تحفظ ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت - يغفر اللّه لك ولنا - وسكت عن أشياء كنت بها عالما ؛ وكان اللسان بها منّي ذلولا ؛ ولكنّ اللّه عظّم من حقّك ما لا يجهل . والسلام . فكتب إليه عمر بن الخطاب :
هامش
( 1 ) توالس : تخادع ولا تصرّح . ( 2 ) النهز : الضرب . ( 3 ) الدرّ : اللبن . ( 4 ) التثريب : اللوم والتأنيب .