تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
اضطررت إلى البقاء في مكة شهرا كاملا بعد رحيل الحج ، رحت أنتظر خلاله تهيؤ الفرصة التي تسنح لي بالسفر إلى المدينة المنورة . كان بوسعى السفر بسهولة عن طريق البحر من جدة إلى ينبع ، لكني فضلت الرحلة البرية . في تلك الفترة كان أهل الحجاز يستشعرون القلق من ناحية محمد على باشا ، الذي كان يعد العدة للانطلاق من مكة ، بحملته التي يقودها هو شخصيا ضد الوهابيين . كان أهل الحجاز يعرفون أنه إذا ما فشلت حملة محمد على ، فإن بدو الحجاز سيعودون إلى ممارساتهم المفضلة ويقطعون الطريق المؤدى إلى المناطق الداخلية ، في وجه الرحالة جميعهم ، وقد تعلم بدو الحجاز من التجارب التي مروا بها ، أن الوهابيين إذا ما استولوا على بلاد الحجاز مرة ثانية ، فإن مدينة مكة نفسها لا يمكن أن تنجو من السلب والنهب . كل هذه الاعتبارات أدت إلى تأخير القوافل المتجهة إلى المدينة المنورة . المعروف أن قافلة قوية تغادر مكة في اليوم الحادي عشر من شهر المحرم ، ( الذي يصادف اليوم الثاني من شهر يناير من العام 1815 هذا العام ) أي في اليوم التالي لفتح الكعبة ، الذي يصادف دوما اليوم العاشر من شهر المحرم ، أو بالأحرى اليوم الذي يطلقون عليه اسم العاشور . في أواخر شهر ديسمبر ، أصاب السكان الذعر نتيجة لتقرير زائف عن وصول القوة الوهابية ، من ناحية الطريق الساحلى ، قادمة من الجنوب . وعقب الأيام الأولى من شهر يناير من عام 1815 م انطلق محمد على باشا بحملته من مكة . والتقى الجيش الوهابي ، في بيسيل بعد ذلك بأربعة أيام ، في المنطقة المجاورة للطائف ، والتي أحرز فيها محمد على باشا نصرا كاملا سبق أن أوردت تفاصيله في موقع آخر من هذا الكتاب ، وما إن بلغ هذا الخبر مدينة مكة حتى قامت القافلة المتجهة إلى المدينة المنورة واستأنفت مسيرها في اليوم الخامس عشر من شهر يناير من العام 1815 الميلادي . بعد رحيل الحج السورى ، وبعد عودة القسم الأكبر من الحجاج المتبقين إلى جدة ، انتظارا لفرصة تسنح لهم بالإبحار من جدة عائدين إلى بلادهم ، بدت مكة كما لو كانت مدينة هجرها سكانها . ولم يتبق من دكاكينها سوى الربع فقط ، ولم يعد يرى في شوارع مكة حتى ولو مجرد حاج واحد من أولئك الحجاج الذين كان يتحتم على الماشي