تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وهذا النهير ينبع من سلسلة الجبال التي تجاوزناها ، وهو يجرى في مجرى حجري ؛ هذا النهير يروى بيارات نخيل شاسعة ، فيها بساتين وحقول على الجانب الجنوبي الغربى من المكان ، وعلى الرغم من أننا كنا على بعد مسافة لا بأس بها من منبع ذلك النهير فإن ماءه لا يزال فاترا . يقول العصمى ، مؤرخ مكة إن الغورى سلطان مصر ، بنى مستودعا أو خزانا مائيا جميلا في بدر ، ليشرب منه الحجيج ، لكني لم أر ذلك الخزان ، وأنا ليس لدىّ ما يفيد وجود مثل هذا الخزان . تقع بلدة بدر في سهل محاط من ناحيتي الشمال والشرق بجبال منحدرة ، أما التلال الصخرية فتحيط بذلك السهل من ناحية الجنوب ، وفي الناحية الغربية نجد تلالا من الرمال المتحركة . والحج يجعل من بلدة بدر محطة من محطاته ، وقد عثرنا على المكان الذي يخيم فيه الحجاج بجانب بوابة البلدة مباشرة ، وكان ذلك قبل أربعة أشهر ، ولا يزال المكان فيه بقايا جثث الإبل ، وخرق الملابس ، وبقايا الأواني المكسّرة ، إلخ . بدر شهيرة في التاريخ العربي ، بسبب المعركة التي خاضها محمد صلى اللّه عليه وسلم في هذه المنطقة ، في العام الثاني الهجري ، ضد قوة أكبر من قوته مكونة من عرب قريش ، الذين جاءوا بصحبة قافلة ثرية كان ينتظر وصولها إلى سوريا ، وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد نصب لتلك القافلة كمينا في هذه المنطقة . وعلى الرغم من مرضى الشديد ، خرجت بصحبة حجاج مسقط لمشاهدة ميدان القتال ، الذي أوصلنا إليه رجل من أهل بلدة بدر . جنوب المدينة ، وعلى بعد مسافة ميل تقريبا ، وعند سفح التلال ، توجد بعض المقابر لثلاثة عشر رجلا من أتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصدقائه ، سقطوا شهداء في هذا المكان . مقابر هؤلاء الشهداء عبارة عن أكوام من الطين ، المحاطة بصفوف من الأحجار السائبة ، وهذه المقابر كلها قريبة من بعضها البعض . كان القرشيون ، على حد قول مرشدنا ، يتخذون لأنفسهم مواقع فوق التل الواقع خلف المقابر ، في حين قسم محمد صلى اللّه عليه وسلم قوته الصغيرة إلى جزأين ، تقدم هو نفسه بقسم منهما إلى السهل ليكون صلى اللّه عليه وسلم في مواجهة العدو ، وأوكل شأن القسم الاحتياطي إلى علي بن أبي طالب ، الذي صدرت له الأوامر بأن يتخذ لنفسه موقعا على التل الرملي الموجود في الجانب الغربى .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 193 | جان لوئيس بوركهارت