تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
مصابين بالحمى ، ويبدو أن يحيى أفندي قد وفق في شفاء هؤلاء المرضى ولم يكن موفقا في شفائي أنا . كل أشكال الحمى هنا من النوع المتقطع ، ويحاط المرضى بعد شفائهم من الحمى برعاية كبيرة ؛ إذ يخشى الناس من معاودة الحمى لهم . بعد أن خرجت من سكنى بعد شفائي ، وجدت الشوارع تغص بأعداد كبيرة من المتماثلين للشفاء ، الذين يدل مظهرهم دلالة واضحة على الأعداد الكبيرة التي كانت تعاني مثلي تماما . هذه الأشكال من الحمى إذا لم يتم شفاؤها خلال مدة محددة ، فإنها غالبا ما تسبب إحداث تورمات مؤلمة في المعدة ، وفي القدمين ، ولا تزول هذه التورمات بسهولة . أهل المدينة المنورة لا يهتمون بالحمى المتقطعة ، التي اعتادوا عليها ، الأمر الذي يندر أن يودى بحيواتهم ، لكن الأمر مختلف تماما مع الغرباء . في بعض فصول العام تشكل الحمى المتقطعة وباء في المدينة ، إذ يقال إن حوالي ثمانين شخصا ماتوا في غضون أسبوع واحد ، ولكن الحالات التي من هذا القبيل تعد أمورا نادرة الحدوث . يقال إن مرض الدوسنتاريا يندر حدوثه هنا ، وتشيع هنا الشكوى من الأمراض الباطنية ومن المرارة . ويبدو أن معدل الوفيات هنا في المدينة المنورة ، أعلى من أي مكان آخر من الأماكن التي زرتها في الشرق ؛ كنت أقيم في مسكن قريب من أحد أبواب المسجد النبوي ، وكان يجرى إدخال جثث الموتى من هذا الباب للصلاة عليها قبل دفنها ، وكنت أسمع وأنا على فراش المرض الناس وهم يقولون : " لا إله إلا اللّه " وهم يدخلون جثث الموتى أو يخرجونها من المسجد . طوال مقامي وحجزى الذي دام ثلاثة أشهر بسبب مرضى في المدينة المنورة كانت تمر على نافذتى يوميا جثة أو جثتان من جثث الموتى . وإذا ما أخذت معدل ثلاث جثث في اليوم الواحد ، كان يجرى إدخالها إلى المسجد من خلال هذا الباب ، والأبواب الأخرى ، علاوة على العرب الفقراء الذين يموتون في الضواحي ، والذين يجرى الصلاة عليهم في المسجد الواقع في ضاحية المناخ ، سنجد أن عدد الوفيات يقدر بحوالي ألف ومائتي نسمة سنويا ، في هذه المدينة الصغيرة ، التي يبلغ إجمالى عدد سكانها في نظري بما يتراوح بين ستة عشر ألف نسمة