الحصر الذي أورده هنا للدكاكين المختلفة الواقعة في الشارع الرئيسي في جدة قد يلقى شيئا من الضوء على تجارة هذه البلدة ، وعلى أسلوب الحياة التي يحياها سكان هذه البلدة .
الدكاكين هنا ( شأنها شأن الدكاكين في سائر أنحاء تركيا ) تكون مرتفعة أقداما عدة عن مستوى الأرض ، وتكون لها مصطبة من الحجر بارزة في الشارع ، ليجلس عليها المشترون . هذه المصطبة تكون محمية من أشعة الشمس بواسطة مظلة ، عادة ما تكون مصنوعة من الحصير المثبت في أعمدة عالية . كثير من الدكاكين يكون عرضها حوالي ستة أقدام أو سبعة من الأمام ، أما عمق المحل فيتراوح بين عشرة أقدام واثنى عشر قدما ، وتكون للدكان غرفة خاصة أو إن شئت فقل مخزن في الخلف .
هناك نحو سبعة وعشرين مقهى في الشارع . الناس في الحجاز يبالغون في شرب القهوة ، ولا يعد الأمر غريبا إذا ما شرب الرجل هنا ما يتردد بين عشرين كوبا وثلاثين كوبا من القهوة في اليوم الواحد ، وأفقر العمال هنا لا يقل شربهم قهوة القشر ، عن ثلاثة أكواب أو أربعة في اليوم الواحد ، وفي قلة قليلة من المحلات يمكن شرب قهوة القشر ؛ والقشر هنا هو عبارة عن القشرة التي تغطي حبة البن ، ويقدر أن تكون أدنى مذاقا من مذاق حبة البن نفسها . هذا واحد من الدكاكين التي يرتادها مرارا أولئك الذين يدخنون الحشيش الذي هو عبارة عن توليفة من زهور نبات القنب والتبغ ، التي ينتج عنها نوع من الفتور في العقل والإدراك . والحشيش لا يزال يستعمل « * » بكثرة في مصر وبخاصة بين الفلاحين .
هامش
( * ) يستخدم الناس لهذا الغرض ، من زهور القنب ، تلك الأوراق الصغيرة التي تحيط بالبذور ، وهم يطلقون على هذه الأوراق اسم ( الشرانق ) ، عامة الناس يضعون بعضا من تلك الشرانق مع التبغ الذي يعمرون به غلايينهم . أما الطبقات الراقية فيأكلون تلك الشرانق على بالوظة أو معجون يضعونه بالطريقة التالية : يجرى خلط العصير الناتج عن هذه العملية بشئ من عسل النحل ، والعقاقير الأخرى حلوة الطعم ، ويباع في مصر على الملأ ، في دكاكين مخصصة لهذا الفرض . والناس يطلقون على معجون الحشيش اسما مؤدبا هو " البهجة "bastأما من يبيعون ذلك المعجون فيسمونهم " المبهجون "basty. وفي مناسبة الاحتفال بزواج الأبناء ، وبخاصة أبناء الأعيان وعلية القوم في القاهرة ، وعندما يجرى الاحتفال بالمهن والحرف المختلفة في البلدة ، تجد المبهجين بين هؤلاء الأعيان ، على الرغم من معرفتهم أنهم يمارسون عملا غير قانوني . كثير من أصحاب المراتب يستعملون " البهجة " بشكل أو بآخر ، هذه البهجة تنبه الحواس وتستثير الخيال مثل الأفيون تماما . بعض الناس يخلطون المعجون ببذور البانجو التي تأتى من سوريا .