تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
إن هذا هو حال الزمن ، وذلك من باب تبرير القول المأثور : " إن الحرام في بلاد الحرمين بمعنى " إن المدن المحرمة على الكفار تعج بالمحرمات " . الاضطهاد لا يمكن أن يكشف عن نفسه في الأماكن التي ليس فيها تباين ملى ، وربما كان من السهل تحريض المكيين على ارتكاب التجاوزات مع أولئك الذين يسميهم المكيون الكفار ، وأنا ألاحظ دوما في الشرق أن المسلمين الذين يهملون في الالتزام بتعاليم دينهم هم الأعنف في تطبيق أحكام الدين على الكفار ، كما لاحظت أيضا أن الخرافات الكبيرة عادة ما تنتشر بين أولئك الذين يتلاعبون بتعاليم الدين وأحكامه ، أو بالأحرى يحتقرونها ويقللون من شأنها كما يفعل العثمانيون ، وينتهجون التفكير الحر . الطبقة الوحيدة من بين الأتراك التي تكن حقدا دفينا وكراهية للمسيحيين ، هم أولئك الذين إذا ما دخلوا في حوار مع المسيحيين يجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلي ، ولو لبرهة قصيرة ، عن إساءاتهم الشكلية أو المظهرية . يعيش المغاربة في سائر أنحاء موانئ البحر الأبيض المتوسط عيشة الكفرة ، لكنهم في وطنهم لا شئ يحثهم على وضع حدود لتشددهم سوى الخوف وحده . هذا أيضا هو حال الأتراك في جزر الأرخبيل ، وأنا أستطيع أن آتى بأمثلة كثيرة من كل من سوريا ومصر لتأكيد ما أقوله هنا . إذا كان التزمت قد قلّ بعض الشئ خلال العشرين عاما الماضية في الإمبراطورية التركية ، فإن هذا التناقص ، في رأيي يعزى إلى ، التناقض الذي طرأ على طاقة السكان من ناحية وزيادة لا مبالاة هؤلاء السكان بدينهم من ناحية أخرى ، وأن ذلك لا يمكن أن يعزى إلى انتشار مبادئ الخير والإحسان . نص الشريعة الإسلامية واضح ودقيق ؛ فهو يحث أتباع هذه الشريعة على المعاداة الدائمة والاحتقار الدائم لكل أولئك الذين يتبعون مللا أخرى . هذه الكراهية لم تتناقص ، لكن هذا العداء يختفى وراء أدب مظهرى وشكلى ، إذا ما تعلق الأمر بمصلحة من المصالح الإسلامية . هذا يعنى أن حد التسامح مع المسيحيين يعتمد على مصالح الحكومة المحلية التي يعيش في كنفها هؤلاء المسلمون ، وإذا ما كانت هذه المصلحة في صالح المسلمين ، فإنك
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 255 | جان لوئيس بوركهارت