تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
أي ركن من أركان مكة ، ينظر المكيون إلى ذلك كله باعتباره معجزات حقيقية من عند الله سبحانه وتعالى ، وأن هذه المعجزات تؤكد صدق ما ورد في المقطوعة القرآنية ( المأخوذة من السورة رقم 106 ) والتي تقول :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
( 3 ) ( الكعبة )
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
( 4 ) " . لكن المكيين ينسون الرجوع إلى تاريخهم ، الذي يأتي على ذكر كثير من المجاعات المخيفة والمعارك الطاحنة ، التي وقعت في ذلك المكان المقدس . واقع الأمر أن الحجاز عانى من المجاعات أكثر من أي مكان آخر من البلاد الشرقية . المؤرخون عندهم الكثير من الأوصاف لتلك الأحداث المؤلمة ، وسوف آتى على ذكر واحدة من تلك المجاعات ، وبخاصة تلك التي وقعت في العام الميلادي 1664 ، يروى العصمى أن الناس في ذلك العام باعوا أطفالهم في مكة نظير مكيال واحد من القمح ، وأنه عندما كان في جدة ، كان الناس يتغذون على اللحم البشرى . حكى لي أحد المكيين ، أنه بعد أن قرر أن يغادر مكة ، نتيجة لعدم وصول الحجاج الأتراك ، ظهر له ملك في المنام في الليلة السابقة للرحيل . كان الملك يحمل سيفا مشتعلا في يده وكان يقف على بوابة مكة ، التي كان الحاكم على وشك المرور خلالها مغادرا المدينة ، وقال الملك متعجبا : " ابق أيها الكافر ! سيأكل المكيون عسلا في حين يرضى بقية أهل الأرض بالخبز وحده ! " وتأسيسا على هذه الرؤيا ، تخلى الرجل عن مشروع الرحيل عن المدينة ، وواصل عيشه فيها . أدب المكيين الظاهري يتفق مع أمانتهم ، مع عقيدتهم وإيمانهم الصادق ، والتزامهم بدينهم ، واتباعهم لتعاليمه . كثير من أهل مكة ، وبخاصة أولئك الذين ليست لهم مصلحة خاصة في التطفل على الحجاج عن طريق الالتزام الظاهري الصارم ، يتراخون في اتباع الشكليات الدينية ومراعاتها ، اعتقادا منهم أنهم يكفيهم أنهم مكيون ، وأنهم ينادون بمفاهيم الدين على الملأ ، أو من باب أن الفرض الصارم لأحكام الدين على الزائرين الأجانب ليس أمرا ملزما لأولئك الذين يزورون مكة مرة واحدة في حياتهم . أهل مكة ، شأنهم شأن البدو ، لا يداوم الكثيرون منهم على الصلاة ، أو لا يصلون على الإطلاق . في صلاة الجمعة ، التي يتعين على كل مسلم مقيم في مكة أداؤها ، ترى
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 253 | جان لوئيس بوركهارت