مفتوحة أمام مكة ، لكن الواردات الأجنبية ، عن طريق البر والبحر ، أصبحت تقتصر على ما هو مطلوب لاستعمال السكان ، ونجد أيضا أن سوق الحج الكبيرة لم تعد تنعقد ، وعلى الرغم من أن بعض الحجاج الأجانب لا يزالون يزورون مكة ، فإنهم لا يعرّضون بضاعتهم لخطر الاستيلاء عليها بواسطة الوهابيين . مع مثل هذه الظروف نجد أن اهتمام المكيين الذي ينصب على المدن نفسها والبقاء فيها طلبا للأرباح الطائلة لم يعد موجودا . الذين عجزوا عن أن يكونوا أثرياء ينتظرون تجديد أو استئناف قوافل الحج ، لكن كثيرا من الفقراء الذين عجزوا عن كسب عيشهم ، تركوا مكة ، واستقروا في جدة ، أو في موانئ أخرى على البحر الأحمر ، وتبعهم في تلك الموانئ عدد كبير من التجار المحترمين .
التجارة هنا تتم عن طريق السماسرة الذين منهم عدد كبير من الهنود ، واقع الأمر أن الجالية الهندية هي أغنى جاليات مكة ، وهم على اتصال مباشر بكل موانئ هندوستان ، ويستطيعون في معظم الأحيان منافسة الغير في الأسعار . الكثيرون منهم ، كما سبق أن قلنا ، يقيمون في مكة ، في حين تواصل البقية الباقية من هؤلاء الهنود التنقل جيئة وذهابا بين الحجاز والهند . هؤلاء الهنود جميعهم يحتفظون بلغتهم الوطنية ، التي يعلمونها لأبنائهم ، كما يعلمونها أيضا لكثير من تجار مكة ، إلى حد أن السواد الأعظم من تجار مكة يفهمون أو يعرفون الأعداد الهندية في أضعف الأحوال ، فضلا عن معرفتهم أيضا للعادات الشائعة جدا المستخدمة في البيع والشراء . الهنود يعملون في ظل ظروف صعبة جدا يتعلمون خلالها اللغة العربية ، ولم يحدث أن رأيت مطلقا أحدا من هؤلاء الهنود ، مهما طالت إقامته في مكة ، يتكلم العربية بطريقة سليمة ، وهم من هذه الناحية أقل من الأتراك ، الذين نعد نطقهم للغة العربية مدعاة للسخرية والتهكم في معظم الأحيان أمام العرب . أبناء الهنود الذين ولدوا في مكة يتكلمون العربية كما لو كانت لغتهم الوطنية ، وقد درج الهنود على كتابة اللغة العربية بأحرف هندية .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 238
مساهمون: جان لوئيس بوركهارت
ص٢٣٨