تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء ، على مرحلتين من عيذاب . وبهذا الموضع كثير من شجر العشر ، وهو شبيه بشجر الأترج ، لكن لا شوك له . وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة ، وهو في بئر غير مطوية « 1 » . وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها ، فرام الجمّالون حفرها واستخراج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لا ماء عندها . فأسرينا تلك الليلة ، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور ، فنزلنا ضحوة على ماء الخبيب ، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب ، يستقي منه القوافل وأهل البلد ويعم الجميع ، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير . فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب ، وهي مدينة على ساحل بحر جدّة غير مسورة ، أكثر بيوتها الأخصاص ، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص . وهي من أحفل مراسي الدنيا ، بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها ، زائدا إلى مراكب الحجاج الصادرة والواردة . وهي في صحراء لا نبات فيها ، ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب ، ولكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق « 2 » كثير ولا سيما مع الحاج ، لأن لهم على كل حمل طعاما يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة ، بالإضافة إلى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها . ولهم أيضا من المرافق من الحجاج إكراء الجلاب منهم وهي المراكب . فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم إلى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة . وما من أهلها ذوي اليسار إلا من له الجلبة والجلبتان ، فهي تعود عليهم برزق واسع . فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسبابها ، لا إله سواه . وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا « 3 » بها الديار والرباع والجلاب . وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها ، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف ، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه . ويستخرج منه جوهر نفيس ، له قيمة سنية ، يذهب الغائصون
هامش
( 1 ) طوى البئر : بناها بالحجارة . ( 2 ) المرفق ( جمعها مرافق ) : كل ما ينتفع به . ( 3 ) تأثل بالمكان : أقام فيه واستقر .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 50 | ابن جبير