الشيهم « 1 » نصب عليها الشمع ، والطبقتان تحتها ألواح مثقوبة ثقبا متصلا ، وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها .
وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبار وصغار ، وتخللها أشباه الأطباق المبسوطة من الصفر ، قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء ، وخرقت كلها ثقبا ، ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الأطباق الصفرية ، لا يزيد منها أنبوب على أنبوب في القد . وأوقدت فيها المصابيح ، فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة تشتعل نورا ، ووصلت بالحطيم الثاني ، الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم ، خشب على الصفة المذكورة ، اتصلت إلى الركن المذكور . وأوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة ، وصففت طرة شباكها شمعا ، مما يقابل البيت المكرم . وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف ، على الصفة المذكورة ، جللت كلها شمعا . ونصب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم ، في أتوار تناسبها كبرا ، وصفت تلك الأتوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الإيقاد ، وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في أتوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع ، وأحدقت بالحرم المشاعيل . وأوقد جميع ما ذكر .
وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة ، وقد وضعت بيد كل منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا ، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات . وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربعة فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة إيقادها .
فيخيل للناظر أن النار تشب من شرفة إلى شرفة لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار . وفي أثناء محاولتهم لذلك يرفعون أصواتهم ب " يا رب " على لسان واحد ، فيرتج الحرم لأصواتهم . فلما كمل إيقاد الجميع بما ذكر كاد يعشي الأبصار شعاع تلك الأنوار ، فلا تقع لمحة طرف إلا على نور يشغل حاسة البصر عن استمالة النظر . فيتوهم المتوهم ، لهول ما يعاينه من ذلك ، أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء .
هامش
( 1 ) الشيهم : ذكر القنفذ .