كاد يلتقي طرفاها خفوقا واستعجالا . ثم تقدم أحدهم فعقد حبوته بين تلك الأثافيّ وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة إلى الأسماع ثقيلا لحنها على الطباع ، ثم انفض الجمع ، وقد جمد في شؤونه الدمع ، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع ، أطلقت عليه أيدي الانتهاب ، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أو يهاب . وعند اللّه تعالى في ذلك الجزاء والثواب ، إنه سبحانه الكريم الوهاب .
وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام ، جعلنا اللّه ممن طهر فيها من الآثام ، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام ، وختم اللّه لنا ولجميع أهل الملة الحنفية بالوفاة على الإسلام ، وأوزعنا حمدا يحق هذه النعمة وشكرا ، وجعلها للمعاد لنا ذخرا ، ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه ، أنه لا يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا ، إنه الحنان المنان ، لا رب سواه .
شهر شوال عرفنا اللّه بركته
استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير « 1 » ، يمن اللّه مطلعه ، ورزقنا بركته ، وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات ، وبعده تتصل ثلاثة الأشهر الحرم المباركات . وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجد الحرام ، زاده اللّه تكريما . جرى الرسم المذكور ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم ، وأوقدت الصوامع من أربع الجهات من الحرم ، وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس . وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا ، وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير ، يقبل اللّه من جميعهم ، إنه سميع الدعاء كفيل بالرجاء ، سبحانه لا إله سواه .
فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر ، لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام ، لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس إليه ، رغبة في شرف البقعة وفضل بركتها وفضل صلاة الإمام خلف
هامش
( 1 ) ينير : يناير ( كانون الثاني ) .