تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
المقام ، ومن يأتم به . فأول من بكر الشيبيون ، وفتحوا باب الكعبة المقدسة ، وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة ، وسائر الشيبيين داخل الكعبة إلى أن أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا إليه ، وتلقوه بمقربة من باب النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، فانتهى إلى البيت المكرم ، وطاف حوله أسبوعا « 1 » ، والناس قد احتفلوا لعيدهم ، والحرم قد غص بهم ، والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له ، متناوبا في ذلك مع أخيه . فلما أكمل الأمير الأسبوع ، عمد إلى مصطبة قبة زمزم ، مما يقابل الركن الأسود ، فقعد بها ، وبنوه يمينه ويساره ، ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه . وعاد الشيبيون لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته ، فسبحان من خصهم بالشرف في خدمته . وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة ، فأنشدوه واحدا اثر واحد إلى أن فرغوا من إنشادهم . وفي أثناء ذلك تمكن وقت الصلاة ، وكان ضحى من النهار ، فأقبل القاضي الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين ، والفرقعة المتقدمة ذكرها أمامه ، وقد صك الحرم صوتها . وهو لابس ثياب سواده ، فجاء المقام الكريم ، وقام الناس للصلاة ، فلما قضوها رقي المنبر ، وقد ألصق موضعه المعين له كل جمعة ، من جدار الكعبة المكرمة ، حيث الباب الكريم شارعا ، فخطب خطبة بليغة ، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر ، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره ، إلى أن فرغ من خطبته . وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء ، مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم اللّه من فضله . وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين ، مزدحمين عليه فوجا فوجا . فكان مشهدا عظيما وجمعا ، بفضل اللّه تعالى ، مرحوما ، جعله اللّه ذخيرة للمعاد ، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد ، بمنه وكرمه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى ، تبركا باحتساب الخطا إليها ، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد اللّه الصالحين من الصدر
هامش
( 1 ) أسبوعا : أي سبع مرات .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 122 | ابن جبير