تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسي الذي يصعد عليه فلم يغن ذلك شيئا ، وأقاموا على الازدحام في الصعود بإشالة بعضهم على بعض ، وداموا على هذه الحالة إلى أن وصل الخطيب ، فخرجوا لاستماع الخطبة ، وأغلق الباب . وصلى الأمير سيف الإسلام مع الأمير مكثر في القبة العباسية . فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا ، وركب إلى مضرب أبنيته . وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده إلى اليمن ، واللّه يعرّف أهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه .

الاحتفال بختم القرآن الكريم

وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه . وكل وتر من الليالي العشر الأواخر يختم فيها القرآن . فأولها ليلة إحدى وعشرين ، ختم فيها أحد أبناء أهل مكة ، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ . فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا ، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى منزله إلى طعام وحلوى قد أعدّهما واحتفل فيهما . ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين ، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار ، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة ، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا . وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة ، قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة ، وأعد لها شمعا كثيرا ، ووضع في وسط الحرم ، مما يلي باب بني شيبة ، شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة ، قد أقيم على قوائم أربع ، وربطت في أعلاه عيدان نزلت منها قناديل وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل . وسمّر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف ، غرز فيها الشمع ، فاستدار بالمحراب كله . وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه ، وأمعن الاحتفال في هذا كله . ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان . وحضر الإمام الطفل فصلى التراويح وختم ، وقد انحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ونساء ، وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به .