تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
البربر إلى عنّابة حيث تحصّنوا . لقد وقع الإحساس بهذا العمل البطولي على أساس أنه ضربة قاسية ضد الحضور البيزنطي ، وإضرار خطير بالاستقلالية البربرية في نفس الوقت . من جديد ، كان البربر في حالة غليان ، فحاولوا تجميع قواتهم وقاموا بانتفاضة كبيرة لمواجهة التهديد العربي . لقد تجسّدت آمال البربر في امرأة هي الكاهنة ، التي وإن كانت مقطوعة عن المساعدة البيزنطية غير المهمّة من الآن فصاعدا ، فإنها ستفرض نفسها كقائد أعلى لحركة المقاومة الثانية والأخيرة . إنّ الكاهنة واسمها الحقيقي دهيا بنت طابيتا بن تيفان ، كانت إذا ما صدّقنا علماء النّسب البربر ، أرملة « ملك » جراوة قبيلة « البتر » من جبال الأوراس الشرقية . واضطلعت الكاهنة بالوصاية على ابنيها أو أبنائها الثلاثة الذين كانوا صغار السن لتحمّل أعباء الحكم ، ففرضت نفسها عبر خصالها التنبئيّة وكفاءتها في القيادة . وحسب مخطط خاص بالمجتمع البربري ، تأخذ قبيلة كبيرة ومهيمنة زمام المبادرة - مثال جراوة هنا - فتنجح في تجميع تكتّلات أخرى حولها ، غير أنها تنذر دائما بالتفكّك . ويمكن أن توجد ، من دون شك ، في محيط الكاهنة بقايا لجيش كسيلة ، ولكن توجد هيمنة إثنية بتريّة لا يمكن أن تحجب عنّا مع ذلك التمركز النوميدي الأوراسي لكل حركات المقاومة هذه أي حركة كسيلة وحركة الكاهنة معا . بمقارنة الحركة الأولى بالثانية ، يبدو أن الأخيرة كانت أكثر شدّة وأهمية ، إذا ما وقع مراعاة فخامة القوات العربية التي كان عليها أن تحاربها . فكسيلة لم ينتصر إلّا عن طريق هجوم مفاجئ أسعفه فيه الحظّ . وسحقت الكاهنة الجيش العربي في أرض مكشوفة ، ولم يكن قائد البرانس - المرتبط بالبيزنطيّين والعرب في نفس الوقت - دون اتصالات مع عالمين منظّمين سياسيا ولكنهما خارجين عن البربر . أما كاهنة جراوة فقد مثّلت نقاء حركة بربرية في الجوهر ، وما كان ينقصها هو إدراك معنى الدولة .