تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ويطرح مشكل آخر أيضا ، يتعلّق بالموقف البيزنطي إزاء كسيلة في الوقت الذي كان فيه مهدّدا . يبدو بوضوح أنّ هذا الموقف كان غامضا ، فالبيزنطيّون لم يجلبوا له إلّا مساعدة متحفّظة ، وعلى كل فهي غير كافية لتجنّبه الكارثة . وهذا ما يفسّر أن الأخبار تجمع بين الروم والبربر وتضعهم جنبا إلى جنب في هزيمة ممّس ؛ ولكن نفس هذه الهزيمة التي دمّرت نظام البرانس كليّا لم تؤثّر تقريبا مطلقا في المواقع البيزنطية . بل على العكس من ذلك ، ستشهد السنوات التي تلت تنحّي كسيلة ، تجديد النشاط البيزنطي . ففي سنة 71 ه أبحر أسطول إغريقي في برقة ، وحمل المسلمين الموجودين فيها على الاسترقاق ، وعندما قدم زهير لنجدتهم بعد أن غادر إفريقية ، حاول المقاومة فقتل . وبعد أن انتقم العرب لموت عقبة ، لم يبقوا فعلا في إفريقية . وقد حاولت المصادر عبثا أن تقدّم لنا أنّ زهيرا « أخذه زهد ديني مفاجئ عن أمور الدنيا » ، وحسب عبارة شارل ديل
Ch . Diehl
، لا يسعنا مسايرة هذا التفسير الساذج . أيتوجّب إذن أن نعزو إلى قوّة التهديد البيزنطي ، الانسحاب غير المنتظر لزهير بعد انتصاره على البرانس ؟ لا يبدو ذلك لأن البيزنطيين ليست لهم الإمكانيات لجعل العرب يتراجعون ، وبالفعل لم يبادروا إلّا بعد انصرافهم . من جديد ، يجب أن نقدّم تفسيرا داخليا ، فحوالى 71 ه ، استعدّ الخليفة عبد الملك بن مروان لمواجهة عسكرية مع مصعب بن الزبير ، غير أنه تردّد في اختيار الوقت ، فقد وضع مخطّط الانطلاق في اتجاه العراق ، ثم أقلع عن ذلك لأنه كان غير واثق في قوّاته ؛ فهو بوضوح لا يستطيع أن يجيز ترك جيش عدّته عدّة آلاف من الرجال في وقت شديد الحرج . فوقع استدعاء زهير إذن إلى برقة مع فيلقه في حدود 70 أو 71 ه ، وكان معظم الجند قد سبقه إلى مصر ومن هناك إلى سوريا . هكذا وبعد أن تجرّدت مدينة برقة من جند المسلمين ، فوجئت باليونانيين الذين شنّوا غارة سنة 71 ه ، التي استشهد خلالها زهير .