تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
البلاد المفتوحة الخاضعة لحكم العرب المسلمين من مثل عراق النبط وشام السريان ومصر القبط وإيران الفرس - باستثناء خراسان . وبقي البربر على إسلامهم ولم يكن لهم في الحقيقة خيار آخر ، إذ المسيحية لم تنتشر إلّا في مدن إفريقية وفي سهولها الزراعية المستقرّة . وهؤلاء بربر قبائل وعدد منهم من الرّحّل ولهم تقاليد حربية وقبلية يشبهون فيها العرب ذاتهم ، فهم أقرب الشعوب المفتوحة شبها بالعرب . وواضح أن الإسلام حرّر طاقات البربر ومنحهم تأطيرا وتنظيما واتجاها ، فعبّر الفكر الخارجي أحسن تعبير عن روحهم التمرّدية المطبوعة بشعور قوي بالضّيم . لكنّ وضعية المغرب لا تتوقّف عند علاقة السلطة العربية - ولا نقول العرب جملة ككتلة مستقرّة نهائيا - بالقبائل البربرية الرافعة للواء المذهب الخارجي . فهناك تعقّدات كبيرة وصراعات آتية ستنال العرب ذاتهم . وهؤلاء إذ استوطنوا إفريقية صاروا ينزعون إلى شكل ما من الاستقلالية عن سلطة الخليفة فأفرزوا زعماء لهم . لقد حصل عندهم شعور بالذات وبالخصوصية وتغذّى بالبعد الفعلي عن مركز الخلافة . فلم يكن نتيجة صراعات تاريخية وإيديولوجية مثلما ما جرى بين أهل الشام وأهل العراق زمن الفتنة وبعدها في العهد الأموي ، وإنّما نتيجة التأهّل والخصوصية الجغرافية . وقد وجدت هذه الحركات الانفصالية قادة لدى الفهريين - عشيرة عقبة - وأهمّهم عبد الرحمان بن حبيب . فبعد هزيمة " السّبع " وموت أبيه حبيب بن أبي عبيدة ، انتقل عبد الرحمان هذا إلى الأندلس مع أتباعه الأوفياء . وعند عودته إلى تونس في 127 ه - وهو تأريخ بدء الاضطرابات في صلب السلطة الأموية - تمكّن من جمع عرب إفريقية حول شخصه بسهولة إذ اعتبروه أفضل ممثّل لهم . وتفاقمت الحركة بسرعة إلى درجة أنّ الوالي حنظلة عجز عن المقاومة . وفي نفس السنة ( 127 ه ) رحل عن القيروان تاركا البلاد للقائد الفهري الذي قام هكذا بحركة انفصالية . وهي حركة كانت تمثّل في زمن آخر مسعى شديد