لما أعطى المؤلّفة قلوبهم ، ووجدت عليه الأنصار ، عاتبهم واعتذروا وقبل عذرهم وبين لهم شيئا من الحكمة . ولما قال له الرجل العابد : اعدل ، قال له كلاما غليظا ، واستأذنه بعض الصحابة في قتله ، ولم ينكر عليه ، لكن ترك قتله لعذر ذكره . ولما فعل خالد بن الوليد ببنى جذيمة ما فعل ردّ عليهم ما أخذ منهم ووداهم ، ولا نعلم أنه عاتب خالدا ولا منعه ذلك من تأميره على الناس .
ومنها : أن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها ، فإن الخوض معه في إبطالها تضييع للزمان وإتعاب للحيوان ، مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته .
وكان السلف لا يخوضون مع أهل الباطل في ردّ باطلهم كما عليه المتأخرون ، بل يعاقبونهم إن قدروا ، وإلا أعرضوا عنهم . وقال أحمد لمن أراد أن يردّ عليهم : اتّق اللّه ولا تنصب نفسك لهذا ، فإن جاءك مسترشد فأرشده . وهو سبحانه لما قال اللعين
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
قال :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
، ولما قالت الملائكة ما قالت
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
ثم بيّن لهم ما بيّن حتى أذعنوا .
ومنها : معرفة قدر الإخلاص عند اللّه ، وحماية اللّه أهله ، لقول اللعين :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * * *
فعرف عدو اللّه أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص .
ومنها : أن كشف العورة مستقرّ قبحه في الفطر والعقول لقوله :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما
وقد سمّاه اللّه فاحشة .
ومنها : أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغترّ بالفجرة ، بل ليكن على حذر منهم ولو قالوا ما قالوا ، خصوصا أولياء الشيطان الذين تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ، فإن اللعين حلف
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
.
ومنها : أن زخرفة القول قد تخرج الباطل في صورة الحق كما في الحديث :
« إن من البيان لسحرا » فإن اللعين زخرف قوله بأنواع ، منها : تسمية الشجرة