درجة درجة أول مرة في الشك وبلد الشرك ، وموالاتهم ، والصلاة خلفهم ، وبراءتك من المسلمين ، مداهنة لهم ؛ ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره ، وتبرّات من ملّة إبراهيم ، وأشهدتهم على نفسك باتّباع المشركين من غير إكراه ، لكن خوف ومداراة ؛ وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
إلى قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
فلم يستثن اللّه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، بشرط طمأنينة قلبه . والإكراه لا يكون على العقيدة ، بل على القول والفعل . فقد صرّح بأن من قال الكفر أو فعله فقد كفر إلا المكره ، بالشرط المذكور ، وذلك أن ذلك بسبب إيثار الدنيا لا بسبب العقيدة .
فتفكر في نفسك : هل أكرهوك ، وعرضوك على السيف مثل عمار ؟
أم لا ؟ وتفكر : هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت أم بسبب إيثار الدنيا ؟ ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحا بمسبّة دين الأنبياء ، وترجع إلى عبادة العيدروس وأبى حديدة وأمثالهما .
ولكن الأمر بيد مقلب القلوب ، فأول ما أنصحك به أنك تفكّر :
هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى اللّه عليه وسلم ينهى عنه أهل مكة ؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه ؟ أم هذا أغلظ ؟
فإذا أحكمت المسألة ، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات ، وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ؛ وأقرّ به ، وقال : أشهد أن هذا هو الحق ، ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب ، ثم بعد ذلك يصرّح بمسبّة ما شهد أنه الحق ، ويصرّح بحسن الشرك واتّباعه ، وعدم البراءة من أهله - فتفكر : هل هذه مسألة أو مسألة الردّة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في الردة ؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر .