ولم يزد الاكتظاظ في طول البلدة عن « المدعي » من الناحية الشمالية وعن أوائل الهجلة وقبل الشبيكة من الناحية الجنوبية أما شرقها إلى غربها فقد كان تكاثف السكان فيهما من أوائل مدخل أجيادين إلى القشاشية إلى النواحي القريبة من سوق الليل وشعب بني هاشم ومن سويقة إلى قرارة المدحي إلى الجزء القريب مما نسميه الشامية .
وبدأت الثروات في عهد عثمان تزيد أرقامها في مكة عما عهدنا في عهد الشيخين ذلك لأنه أضيف إلى نشاط مكة التجاري مصدر جديد من مصادر الثراء ذلك هو عطاء عثمان وليس غريبا أن يكون عطاء عثمان مصدرا للثراء فقد كان قبل خلافته من أجواد العرب الممتازين ونوادره في هذا معروفة مشهورة فلما انقادت اليه الخلافة وكانت الفتوحات قد اتسعت وغنائم الأمصار قد انهمرت على المدينة كان لا بد لجود عثمان أن يتسع مداه ولا بد لجلة قريش وكبار أهليها من ذويه وأقاربه أن ينالهم جوده الواسع ، ذكروا أنه أعطى الزبير ستمائة ألف وأعطى طلحة مائتي ألف وأعطى غيرهم مثل ذلك فتدفقت الأموال على مكة إلى جانب ما تدفق إليها من غنائم الحروب وجلب الرقيق إليها من أطراف الأرض المفتوحة شراء أو اهداء فأينعت الحضارة وكثرت الأيدي العاملة في المزارع المحيطة بمكة وأنشئت الجنات في بعض ضواحيها وحفرت الآبار واتخذت السدود من مياه الأمطار ووجدت الاقطاعات الضخمة في أراضي الطائف ، وأكثرها ملك للقرشيين وانتقل إلى هذه الاقطاعات كثير من قريش يسهرون على غلاتها وقد ظل كثير من بطونهم يعيش إلى اليوم في بعض ضواحي الطائف .
وماجت مكة على أثر هذه الحركة بسكانها من القبائل النازحة إليها والموالي المجلوبين من الفرس والروم وبدأت تستقبل في عهد عثمان كثيرا من الذين نزحوا عنها في عهد الشيخين للالتحاق بالجيوش الفاتحة . . عاد إليها البعض بما كسبه من غنائم كما عاد البعض الآخر بما في صدورهم من العلوم فحفلت مكة بحلقات المعلمين كما حفلت أسواقها بمتاجر أهل الثراء ولم تشترك مكة في
تاريخ مكة — صفحة 82
مساهمون: أحمد السباعي
ص٨٢