ويعلل الجيولجيون الحدب الذي طرأ فيقولون أن عوامل الجفاف الطبيعي ما لبثت أن حالت بالتدرج على مر الأحقاب دون وصول الغيوم المرطبة فحرمت الجزيرة من أنهار جارية .
ولا أستبعد هذا لأن المشاهد أن سورة الجفاف في عهودنا الحاضرة اشتدت وطأتها عن عهود سلفت فاختفت واحات كثيرة كانت معروفة في العهد الجاهلي وصدر الإسلام كما اختفى كثير من المناطق الخصبة التي كان يزرعها اليهود في المدينة وثقيف في الطائف وقريش حول مكة ونضب كثير من العيون والآبار وقل شأن السيول التي كان يفيض بها عقيق المدينة والطائف ووادي إبراهيم في مكة « 1 » .
والمعمرون في مكة وكثير من مدن الجزيرة يعلمون أن منسوب المياه ومساحة المناطق الخصبة كانت إلى قرن سابق أحسن منها اليوم وأن بساتين مكة في أطرافها وضواحيها كانت منتشرة إلى مسافات بعيدة مما لم يبق له أثر نتيجة اطراد الجفاف ، ويرى بعض الجيولجيين أن الجفاف سيطرد أمره في الجزيرة على مر العصور وأن نسلنا سيعاني منه أكثر مما نعاني إلا في المناطق الجنوبية لقريبة من المحيط الهندي .
نشأة مكة
وسواء صح نقل المؤرخين الاسلاميين في شأن من هبط مكة قبل عهد إبراهيم أو لم يصح وسواء ثبت استنتاج الجيولجيين عن خصوبة هذه الأرض في عهود مجهولة من التاريخ أو لم يثبت فان مما لا مجال للشك فيه أنه يصح اعتماد هجرة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام إلى مكة مبدأ واضحا لتاريخ مكة ولسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكر المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها كانت من الوضوح والصحة بحيث لا يتسرب الينا شك فيها ولكنها
هامش
( 1 ) على سبيل المثال : ذكر انه كان في وادي امج نحو من سبعين وقيل تسعين عينا لم تبق منها اليوم سوى بضع عيون ، وقيل إنه كان بمر الظهران ثلاثمائة عين ، لم تبق منها اليوم غير بضع عشرة عينا . ( ع ) .