وهو على صغر حجمه قد أحوجني إلى عمل شاق في التنقيب والجمع وتمحيص الحقيقة ، من أقوال متضاربة وآراء متشعبة وألفاظ محرفة ، وإبطال ما زعمه بعض الرواة والعلماء ، وإقامة الأدلة على صحة ما أقول ، وبطلان ما يقول هؤلاء ، ويجوز لي أن لا أستصغر عملي هذا ، لأني جعلت شيئا من لا شيء ، وبنيت هيكلا من مادة كانت مبعثرة في بطون الكتب ، وصغت حليا من معدن ، كانت ذراته متفرقة في نواحي الأرض المختلفة ، تفرق ذرات الذهب في بطون معادنه ، وغرست نواة سوف يحمد الناس ثمرتها ، وإني لأرجو اللّه أن يهيىء لها من يتعهدها حتى تتم الفائدة المتوقعة من غرسها ، ويدعو من ينتفع بها بالخير لي ولوالديّ اللذين ربياني صغيرا وعلماني كبيرا ، ولشيوخي الذين أناروا لي السبيل وذللوا لي كل أبيّ ، وتعهدوني حتى استفدت وأفدت .
وكنت أود أن أقسم هذا الكتاب ، فأجعل قسما منه خاصا بعمران المدينة ، وثانيا خاصا بحياة أهلها الاجتماعية ، وثالثا بحياتهم السياسية ، ورابعا بحياتهم الدينية ، وخامسا بحياتهم العقلية ، وأبين أطوار كل نوع في كلّ عصر على حدة وأبين
تاريخ معرة النعمان — صفحة 14
مساهمون: محمد سليم الجندي
ص١٤