فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا ، وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشؤوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم ، ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه ، ولما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا إنشاءها وتأليفها ورفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج ، وانتهوا إلى بحر النعم ، فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا ، وانتهوا إلى عيذاب ، فأخذوا فيه مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة ، وأخذوا أيضا في البر من أتى من قوص إلى عيذاب ، وقتلوا الجميع ، وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجارة من اليمن ، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله ، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ، ولا انتهى روعي إلى ذلك الموضع قط . ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة ؛ ذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإخراجه من الضريح المبارك ، وأشاعوا ذلك وأجروه على ألسنتهم ، فأخذهم الله باجترائهم عليه ، وتعاطيهم مما يحول عناية القدر بينهم وبينه ، ولم يكن بينهم وبين جدة أكثر من مسيرة يوم ، فدفع الله عاديتهم بمراكب عبرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف ، فبحث مع أجناد المغاربة البحريين فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه ، فأخذوهم عن آخرهم ، وكانت آية من آيات العناية الجبارة . وأدركوهم بعد مدة طويلة كان بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله ، وقتلوا وأرسلوا فريقا من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها ، ووجه منهم إلى مكة والمدينة ، وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما ، والحمد لله رب العالمين .
لقد ظهر مما ذكرناه وبيناه وشرحناه وأوضحناه أن حادثة نقل
تاريخ معالم المدينة المنورة قديما وحديثا — صفحة 127
مساهمون: أحمد ياسين الخياري الحسيني المدني
ص١٢٧