تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الدرس وغيرها ، وكان يتأدب معي في الدرس كأصغر الطلبة ، يقع بيني وبينه في الدرس خروجا من حسن خلقه ، وكان شيخا مليح الشكالة ، حسن السمت حييا وقورا شفوقا ، وكان قد صحب الشيخ أبا هادي شيخ وقته وفريد دهره ، مناقبه أشهر من أن تذكر ، ومحاسنه لا تعد ولا تحصر ، رحمة اللّه عليه . وكان الشيخ عبد السلام عنده مقدما على أصحابه القراء والمشتغلين بالعلم ، وكان الشيخ أبو الطيب يقول في حقه : من أراد أن ينظر إلى من يقدر على مساكنة الحية في جحرها فيسلم منها وتسلم منه ، فلينظر إلى الشيخ عبد السلام بن غلاب رحمة اللّه عليهما . وكان الشيخ أبو هادي قد جاور عندنا في حدود خمس وعشرين وسبعمائة ، فأنزلته عندي وكنت أواليه وأخدمه ، وكان منفردا عن التلامذة والأتباع ، وكان أكثر عبادته التفكر ، وكان مسكني يشرف على مسكنه ، فكان يعبد اللّه بالفكرة فغالب ما كنت أراه رافعا بصره إلى السماء مستغرقا بجميع حواسه في الفكرة ، وحصل لي بصحبته خير كثير . ولما قدم الشيخ عبد السلام إلى المدينة أقام بالمدرسة الشهابية على قدم التجريد مدة سنين ، ثم سعى اللّه له في الزواج على يد الشيخ الصالح خادم الفقراء الشريف أبي القاسم المهدوي فزوجه بابنة الشيخ يحيى التونسي المتقدم ذكره ، وكانت أختها تحت الشريف ، وكان الشريف خادم الفقراء عند الشيخ أبي هادي ومن هناك تأكدت الأخوة بينهما . وكان الشريف ذا همة ومروءة وخدمة للفقراء ومحبة في الصالحين . توفي في ذي الحجة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة ووصى على أولاده الشيخ عبد السلام فخلفه فيهم بأحسن الخلاقة ، وكانت وفاة الشيخ عبد السلام في أوائل سنة ست وستين وسبعمائة . وكان من قدماء الطلبة الشيخ قاسم السلاوي « 1 » كان من إخواننا الفضلاء العلماء الأكياس ، وكان يحضر الدرس عند والدي رحمه اللّه ، وكان
هامش
( 1 ) ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 380 ( 3463 ) ، نقلا عن ابن فرحون .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 162 | ابن فرحون / حسين محمد علي شكري