تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
من النجباء المتفننين ماهرا في علم الفرائض ، نقالا للفروع . وكان من الزعماء الذين تركوا شهامتهم وقوة بطشهم في بلادهم وهاجر إلى اللّه ورسوله ، وكان فقيرا ضيق الحال . وكان مقدما في العلم والتعليم معلّمنا الشيخ محمد السبتي « 1 » ، كان بلا شك من المحدثين ، وكان من قدماء المجاورين ، وله على أولاد المجاورين بل وأهل المدينة يد طولى ومنة عظيمة في تعليمهم القرآن ، إن قلت : إنه لم ينجب أحد من الأولاد في زمانه على يد غيره من المعلّمين فلست من الكذابين ! ! وكان في كتّابه فجعل العرفاء فوق من دونهم ، وقدّم على كل طائفة واحدا منهم ، وانتظم له سلك التعليم أكثره بالتخويف والتهديد ، وكانت له فراسة عظيمة في الولدان حتى إنه ليقول للواحد منهم : أنت كنت في مكان كذا ، وفعلت كذا وكذا ، فيكون ذلك حقا ! ! وكان يهاب في غيبته أكثر من حضوره . ومما جرى لنا يوما معه أن الطواشي شفيعا الكرموني جاء إليه يوما فقال له : إنّ عمار الحرم قد فقدوا مربّعة خشب مدهونة يكون قدرها ذراعا في ذراع ، وما نظن أخذها إلا بعض الأولاد . فقال : اذهب فستأتيك إن شاء اللّه . ثم قال لنا : اقرأوا وارفعوا أصواتكم ، ففعلنا . ثم قال لنا : اسكتوا فسكتنا . فقال : قم يا حسين فأت بالمربعة . فقال : ما أخذتها وجعل يبكي . فقال له : أقرا على حالك . ثم دعا بعض الأولاد . وقال له : امض إلى بيته وقل لأهله : حسين يقول لكم : ابعثوا لي المربّعة التي أتيتكم بها البارحة . فما كان إلا قليلا إذ جاء بها وهو ينظر فبهت فضربه ، ثم أمر بجميع الصبيان فضربوه ، وكانت فراسته قلّ أن تخطئ .
هامش
( 1 ) هو : محمد بن عبد اللّه السبتي . ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 505 ( 3888 ) ، نقلا عن ابن فرحون .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 163 | ابن فرحون / حسين محمد علي شكري