تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
قليل السعي في الوظائف ، متقنّعا باليسير من الدنيا ، مظهرا للتجمل في ملبسه وحال أولاده وعياله ، من أعقل الناس وأكثرهم نصحا وأحزمهم رأيا ، مخالطا للناس مباينا لهم ، لا يخوض معهم في شيء مما تختشى عاقبته من أمور الدارين ، ولا يذكر أحدا بغيبة ، فإن ذكرت بحضرته أنكر أشد الإنكار ، وإن سمعها من ذي حرمة التمس للمقول فيه عذرا ومخلصا ، وكان من أحسن الناس خلقا وأكثرهم فكاهة في حق وأحسنهم هديا . وبالجملة فكان حسنة زمانه ، ونادرة إخوانه . توفي رحمه اللّه في سنة ست وستين وسبعمائة . وهو خال صاحبنا في اللّه تعالى الفقيه العالم العامل الورع الزاهد شمس الدين محمد بن محمد بن يحيى الخشبي « 1 » ذي النفس الزكية ، والأخلاق الرضية ، والطريقة المرضية ، اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة وشارك في علوم عديدة وأتقنها ، ثم أكبّ على الإفادة والاشتغال ونشر العلم طول نهاره ، وصحب الشيخ العالم الرباني شيخ وقته وبركة عصره الشيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعي نفع اللّه به . وصحب الشيخ موسى الغزاوي والشيخ سليمان الونشريسي وخلائق لا يحصون كثرة فاكتسب من أخلاقهم وتأدب بآدابهم وسار على هديهم . وهو اليوم أحد المؤذنين بالحرم الشريف النبوي ، وليس فيهم - بل ولا في المدينة اليوم - من يعلم علم الميقات مثله ، وكان قد رباه والده محمد بن يحيى ، وأنشأه الشيخ محمد بن إبراهيم المتقدم ذكره ، وأصله من العبابيه فرقة كبيرة من أولاد المدينة منهم يوسف الشربشير شيخ الشيعة وفقيههم ، وكان جدهم مغربيا سنيا ، تزوج من بنات المدينة ومات عن أولاد صغار ، فنشأوا في مذهب أمهم ، ثم كثروا وانتشروا وتمذهبوا بمذهب الشيعة وغلوا فيه . وكذلك الفرقة المعروفون بالمزاتيين أبوهم أيضا من الغرب وهم طائفة كبيرة ، وكان الشيخ محمد بن يحيى رجلا صالحا متصوفا متعبدا مشتغلا بالعلم مؤذنا بالحرم الشريف ، استنقذه اللّه من تلك الطائفة وكان شافعيا أشعريا متيقظا في دينه ، وإنما اشتغل ولده بمذهب أبي حنيفة لأن والده
هامش
( 1 ) ترجمته في : « الدرر الكامنة » 4 / 247 ( 669 ) .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 159 | ابن فرحون / حسين محمد علي شكري