فاقطع رجاك منها ، ولا تكن ممن يفسد ما هو للّه بما هو للدنيا .
فكف عنها الشيخ يحيى ، وأقامت مع الشيخ عبد الحميد فولدت له إبراهيم وإسماعيل وبنتا ، فقرأ أولاده القرآن في حياته ورأس إبراهيم ، واشتغل بالعلم وخالط الرؤساء وولي نظر الأوقاف ، وأصاب إسماعيل فالج أضرّ به في قوته وكلامه فلا يكاد يفهم إلا بكلفة .
وسافر الشيخ عبد الحميد بأولاده يريد التعريف بهم والإعانة عليهم ، وكان يقول قبل سفره : ما أظن أجلي إلا قد قرب ، فإني مسافر من غير ضرورة ، وما أظن ذلك إلا للنقلة إلى التربة ، فكان كذلك .
توفي رحمه اللّه بقطية في طريق مصر ، وذلك في سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وعاش بعده الشيخ يحيى التونسي مدة طويلة ، وكان حسن المحاضرة يقطع مجلسه بإنشاد الشعر الرقيق ، والحكايات الغريبة ، والأمثال المستظرفة غير أنه لم تكن له عربية ، بل كان فصيحا بالسجية والسليقة .
وقد سأل معاوية فقال : كيف ابن زياد ؟ قالوا : ظريف على أنه يلحن .
فقال : أوليس ذلك أظرف له ؟ قالوا : أو إنما استظرفه لأن السّليقة وتجنب الإعراب مما يستملح في البذلة من الكلام ، ومن ذلك قول الشاعر :
منطق صائب ويلحن حينا * وأحلى الحديث ما كان لحنا
والسليقة يراد بها طبع الإنسان ، يقال : فلان يتكلم بالسليقة ، أي : بطبعه لا عن تعلم .
وكان من أكرم الناس ، فقير الذات ، ينفق ما بيده ، فإذا فني اقترض الألف والألفين ، ثم يقضي قضاء جميلا ، وكان له معتقدون ، ورزق حظوة عند القضاة