3 . تشكل العنصر البشري لهذا الانتشار عبر المجال في غالبه من الفائض الديمغرافي الثابت للمراكز السكانية القديمة ، إلا أن قسما لا يستهان به نجم عن استقرار البدو ، فالاستيطان التدريجي في الأطراف الصالحة للزراعة حرم البدو من مراعيهم المفضلة ودفع بهم نحو الصحراء ، مما يجعل عيشهم في جماعات كبيرة العدد أمرا صعبا ، بحيث أصبح المخرج الوحيد لهم التحول إلى حياة الاستقرار التي تسمح بكثافات سكانية أكبر بكثير ، لهذا فإن استقرار البدو يندرج ضمن عملية إعادة الانتشار في الأرض ، كما أنه أصبح هدفا مهما لسياسة بسط النفوذ الإداري للدول على كل أقاليمها ، ويعتبر كذلك تجسيدا ساطعا لثأر الحضر من البدو الذي يطبع الظرف السياسي الحالي . ويظهر هذا الموقف خاصة في بعض دول الشرق الأوسط ، فالمادة 158 من دستور 1950 في سوريا تجعل من الاستقرار الشامل للبدو هدفا رئيسيا يجب تحقيقه ؛ كما أن استقرار البدو من العناصر الأساسية في السياسية السعودية التي أوجدت مراكز سكانية عديدة موجهة بصفة خاصة إلى " الإخوان " الذين كانوا رفاق الملك في كفاحه . واليوم وفي كل مكان تعرف البداوة تراجعا متسارعا باستثناء حالة أفغانستان التي تهيمن على سياستها الأصول البدوية للأسرة الحاكمة ، حيث تشجع الدولة انتشار البدو الأفغان في كل منطقة القوس الجبلي الأوسط التي تشهد استحواذ البدو على العقار وكذلك انتشارا واضحا لنمط العيش البدوي « 1 » .
4 . نتج عن هذه الحركة الواسعة تحول في البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان الإسلامية ، فالإسلام الأصلي الحضري والبدوي في آن واحد يترك المجال شيئا فشيئا لإسلام فلاحي ، حيث تتوسع المجتمعات الريفية على حساب المراكز المروية القديمة والبدو في نفس الوقت ، مدفوعة في ذلك بحركة استصلاح عارمة للأرض تجسد النشاط الطبيعي الغالب في
هامش
( 1 )Ferdinand , 1962 .