تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
مستفيدا في ذلك من كون الإسلام يظهر في هذا المجال بمظهر المجتمع الراقي الناشر للتأثيرات الحضارية . ولم تكن التحولات فجائية ، كما تبدو النتائج العميقة عادة وكأنها أقل بريقا . هذا وتوجد فوارق جوهرية بين المجال الإفريقي من جهة ، والمجال الهندي من جهة أخرى . يكمن تميز الحالة الإفريقية أولا في التفوق الثقافي للإسلام والهياكل السياسية والاجتماعية المرتبطة به مقابل انعدام التنظيم السائد في المجتمع الفلاحي الزنجي الذي لم يتجاوز مرحلة البنيات العصبية المفتقدة للتميز . وقد جاء التأثير الإسلامي في سياق التأثيرات الحضارية التي بدأت منذ فجر حضارة المدن في الشرق الأدنى وضفاف البحر المتوسط والتي نشرت العربية الصحراء الكبرى لتزرع بذورها المنعشة في العالم الاستوائي « 1 » . وقد أمنت هذه التأثيرات للإسلام التوسع والنجاح . على العكس من ذلك لعب بعد المسافات وصعوبة الاتصال عبر المنطقة الصحراوية دورا كابحا ، بحيث لم تتطور بذور حضارة المدن والتنظيم السياسي إلا بشكل جزئي جدا . وهنا كذلك كان الرعاة عامل انتشار أساسي للإسلام رغم الظروف الصعبة التي تواجه الحياة الرعوية والتي ذكرناها آنفا ، مما نتج عنه تنوع كبير للحالات السياسية حسب درجة ارتباطها بالدول المنظمة ، وكذلك تأثيرات وردود فعل معقدة جدا في العالم الفلاحي الزنجي . في المجموع خضع التطور العام الناتج عن الاتصال مع العالم الاستوائي الزنجي للحركية المعتادة التي ميزها انتشار البداوة ، ثم نهضة حضرية وإعادة تنظيم في الفترة الاستعمارية . أما في شبه القارة الهندية ، فقد تحقق التصور النظري بشكل كامل نظرا لوقوع البلاد قرب المراكز الثقافية الإسلامية الكبرى التي لا يفصلها عنها سوى حاجز صحراوي مجزأ جدا تتخلله قطاعات جبلية لم تكن أبدا عائقا في
هامش
( 1 ) هذا الموضوع أساسي في دراسات الإثنوغرافيا والجغرافية البشرية الخاصة بإفريقيا السوداء . أنظر على سبيل المثال :GAUTIER , 1943 , PASSIM , NOTAMMENT , P . 182 - 83 .
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 350 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني