فالجهات الغربية للأطلس الكبير والأوراس وحتى الريف الشرقي ظلت في منأى عن التقلبات التي عرفها المغرب العربي . وفيما تشهد بلاد السهول والهضاب تحولات سريعة ، نلاحظ الاستقرار الكبير الذي طبع هذه الكتل الجبلية ، بينما تحولت الجبال الساحلية الرطبة ، كما هو الحال في المشرق ، إلى مناطق لجوء لسكان السهول المجاورة . ورغم أن الدور البشري للجبال كان مهما فإن مصيرها السياسي كان متواضعا دائما ، إذ أن هذه المرتفعات المغاربية ، وهي الجبال المنيعة أو جبال اللجوء ، لم تكن أبدا قواعد بناء سياسي دائم ، فالأطلس الكبير أو الأوراس لم يلعبا الدور الذي لعبه اليمن ، ولم ترق القبائل الكبرى إلى دور لبنان ، لأن هذه الجبال ظلت على هامش التأثيرات الثقافية الخارجية ، مثل التعريب ، والتأثيرات الاستعمارية ، التي تركزت في السهول . وظل المجال الجبلي حكرا على سكان بسطاء لم يتجاوز مستوى تنظيمهم جماعات القرى أو أحلاف الأودية على أكثر تقدير ، وظلوا على هامش " التاريخ المغاربي الكبير " . ولم يتحقق التنظيم الإقليمي إلا انطلاقا من السواحل أو من ممالك السهول التي كانت حلقات وصل للتأثيرات الخارجية الراقية التي هيمنت على تطور إفريقيا الشمالية .
1 . توازن شمال إفريقيا قبل الهجرة الهلالية
ورثت الفترة الإسلامية الأولى في شمال إفريقيا وضعا يشبه إلى حد كبير ، مع بعض الفوارق الطفيفة ، الوضع الذي نتج عن قرون من الاستعمار الفينيقي ثم الروماني . فهناك سهول انتشر فيها الاستغلال الزراعي الدائم ، تقابلها مناطق جبلية ظلت أغلبها على هامش المجتمع المتحضر ، يسكنها أشباه البدو وهم الرعاة أو المزارعون قاطعو الأخشاب المنعزلون في الغابات ، وكذلك هضاب وصحاري تنتشر فيها أكثر فأكثر البداوة الكبرى ذات الميول العدوانية والتي لم تتمكن إلى ذلك الحين من تهديد ازدهار المناطق الزراعية .