يختلف الوسط والمجتمع المنبثقين عن هذه التحولات كثيرا عمّا يميز المناطق المستغلة منذ القدم . فقد حلت أنماط أخرى مكان القرى الكبيرة المتراصة والواقعة على ضفاف النهر والمحمية بالحواجز أو التلال الاصطناعية والتي كانت تقام بجنبها أو بمحاذاة الأحواض وبشكل مؤقت سكنات متنقلة ؛ ففي مناطق وسط وجنوب الدلتا حيث تم التخلي عن نظام الأحواض منذ فترة أطول ، تسود التجمعات المقامة عفويا في المناطق الفاصلة والمعروفة باسم الكفر ؛ بينما تنتشر في الأراضي الشمالية المستصلحة حديثا ، المستوطنات المنظمة المعروفة باسم العزبة ، ذات البيوت المنتظمة على طول الشارع والمخطط الهندسي ، والتي يتم اختيار موقعها بالقرب من الأراضي الفلاحية وليس تبعا للارتفاع بالنسبة لمستوى مسطح الغمر « 1 » . ويجسد نمط العزبة استيطانا من النوع الرأسمالي وتأثير كبار الملاك الذين كان لهم دور فعال في عملية الاستيطان بسبب التكاليف الباهضة التي تتطلبها تهيئة الأراضي حسب نظام الري الدائم . وقد هيمنت الملكية الكبرى على البنية الاجتماعية في الأراضي الجديدة حتى الإصلاح الزراعي لسنة 1952 على الأقل ، عكس الأقاليم القديمة المعتمدة على الأحواض التي شكلت قراها دائما وحدات جبائية واجتماعية مستقلة ، نقل فيها مسح الأراضي الذي أنجزه محمد علي الملكية الظاهرية للأرض من الدولة إلى الفلاحين .
2 . عرفت الزراعة المروية تقدما متأخرا ومن خلال سبل مختلفة فوضوية وغير منظمة في مهدها ببلاد الرافدين « 2 » . فالعنصر البشري هنا أقل كثافة بكثير مقارنة بمصر ، ولم يتمكن أبدا من السيطرة تماما على أنهار تناهز قوتها قوة النيل ، إلا أنها أقل انتظاما وأكثر تدميرا منه ، ويتوفر على إمكانيات لا محدودة
هامش
( 1 )Lozach et Hug , 1930 .( 2 ) أنظر على وجه الخصوص :Wirth , 1962 ; de Vaumas , 1958 ; Cressey , 1958 ; Lebon , 1955 .