إذا مات فات الأمر وانقطع الرجا * ولم يبق إلا موقف وحساب
وما دام حيا قد يوفق للتقى * فيفعل فعلا صالحا ويثاب
عجبت لهذا الدهر تفنى خياره * وهم فيه زين إن ذا لعجاب
لقد أخذ الموت اللباب فلم يدع * سوى القشر لا يلفى لديه لباب
فأي شهاب غاب عنا فلم يكن * ليخلفه في الخافقين شهاب
فو اللّه ما يأتي الزمان بمثله * وإن زعموا إتيانه فكذاب
فكم عطف الحسنى على مثلها وكم * حوى منه تأكيد البيان جواب
ومن نعته هذا فلا بدل له * ولو طلبوا الأبدال منه لخابوا
هو العلم الفرد المنادى لكشف ما * له عن عقول الباحثين غياب
فإن ضمّ منا للقلوب محبة * فقد أنصفوا في ضمه وأصابوا
سلوني على المرء الخبير سقطتم * فأحواله في الصالحين عجاب
أبا جعفر ما زلت واللّه سالكا * سبيل رجال أخلصوا وأنابوا
عطفت على كتب الحديث وضبطه * فولّى مشيب فيهما وشباب
وكنت إذا أدّيته قارئا له * تكاد القلوب القاسيات تذاب
فتطرب أهل الحي حتى كأنما * غذا القوم من ثغر الكؤوس رضاب
فما للبخاري بعد موتك قارىء * ولو علموا عظم المقام لهابوا
وكم مدع في العلم إدراكه الغنى * وما ثم من علم لديه يصاب
مرارا أمام المصطفى قد قرأته * بأفصح نطق لم يفته صواب
تخاطبه في قبره وهو سامع * وأنت بإجزال الثواب تجاب
وفي حجر إسماعيل أيضا قرأته * وقد شرعت للدارعين حراب
فتسمع أصوات الرجال إذا التقوا * كما تزأر الآساد وهي غضاب
وأنت مديم للقراءة لا الحشا * يراع ولا منك الفؤاد يراب
ومن كان في البيت المحرم قارئا * حديث رسول اللّه كيف يهاب
وفي ذاك ما زلنا جميعا كأننا * حسامان ضمّ الصفحتين قراب
نلازم تحقيق العلوم وجمعها * وليس نرى إلا بحيث نثاب
فنسهر حتى يقضي الليل عمره * ويكشف عن وجه الصباح نقاب
وكنا كندماني جذيمة لم يكن * يعضّ علينا للتفرق ناب