بكيت ولكن لم أجد ذاك نافعا * ولا فيه إلا أن يضيع ثواب
فأبت بحسن الصبر وهو أجلّ ما * إليه إذا جلّ المصاب يؤاب
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة * فللناس عنها رحلة وذهاب
إذا ما رأيت الدار ملأى فإنه * سينعق فيها بالفراق غراب
ومن صحب الأيام كرّت خطوبها * عليه وكرّات الخطوب غراب
وكيف خلاص المرء منها وخلفه * خيول الردى يجرين وهي عراب
لئن جمعتنا والجماعة رحمة * فقد فرقتنا والفراق عذاب
تشاب بسمّ الموت والمرء غافل * موارد منها للحياة عذاب
وما العسل الصافي بشيء وإن حلا * إذا كان بالسمّ القتول يشاب
يهول كمثل البحر إن هب عاصف * فيهرم من أهوالها ويشاب
تغرّ الورى حتى إذا أطمعتهم * فطالوا إلى نيل المراد وطابوا
رمتهم بأنواع الخطوب فلم تكن * لتسمع شكوى أو يخاف جواب
يعدّون من عزّ النفوس اكتسابها * وما هو إلا ذلة وتباب
وما مثل الدنيا وطلاب مثلها * سوى جيف من حولهن كلاب
فتبّا لها مذ جرّدت سيف غدرها * لقتل الورى ما جفّ منه ذباب
فكم قتلت من ذي جلال ولم تقل * كأن نفوس العالمين ذباب
لقد راع قلبي من تقلّب دهره * أمور قضت أن الحياة سراب
حوادث لم تتركن لي غير أدمع * يشاب طعام لي بها وشراب
أرى الناس تمضي واحدا بعد واحد * ولم أرهم بعد الترحل آبوا
هم كحباب الماء يعلو فينطفي * ولا طمع في أن يدوم حباب
يذيب الثرى من ليس يحصون كثرة * كهول وشيب قد مضوا وشباب
تفقدت أترابي فألفيت كلهم * تضمنهم بطن التراب فغابوا
فما ذا انتظاري إن فيهم لأسوة * فلم يبق إلا أن تحثّ ركاب
ولكن أرجّي أن أعيش لعلني * ييسر لي قبل الممات متاب
وكان يهون الموت لو ترك الفتى * ولم يك في يوم الحساب عقاب
ولكننا نجزى ونسأل في غد * ونقطع من دون الخلاص عقاب
فلا يتمنّ الموت شخص لشدة * ينال بها من دهره ويصاب