تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
عمه السلطان بها . ثم فرّ عنه ولحق بالأندلس ، واستقرّ بها ، وولّي خطّة الشّياخة العامة ، وهي ما هي ، من سموّ الهضبة ، وورود الرّزق ، وانفساح الإقطاع ، فشارك ، وتبنّك النّعيم ، وأقبل ما استظهر به على ما وراء مدينة سبتة ، عند انتظامها في الإيالة النّصرية ، فشنّ الغارة ، ودعا إلى نفسه ، وخلا فطلب النّزال ، فغلبت غارته أحواز وادي سبو . ثم رجع أدراجه إلى الأندلس ، وذمّر السلطان أبا الوليد ، منفق حظوته على طلب الملك ، ففازت به قداحه ، واستولى على الجمّ من ريق دنياه ، وسلّ الكثير من ماله وذخيرته في أبواب من العبادة ، والاسترضاء والاستهداء . ولمّا توفي ، تضاعف لطف محلّه من ولده ، إلى أن ساء ما بينه وبين مدبّر أمره ابن المحروق ، ونفر عنه ، مؤاخذا بألقيات كانت سلّما إلى تجنّيه ، يحسب أن الافتقار إليه يعبّد له كل وعث ، فاغتنم المذكور نفرته ، واستبصر في الانتباذ عنه ، مطيعا دواعي الخور والرّهبة ، من شؤوب حاله . وأجلى الأمير عن رحيله وولده إلى ساحل ألمريّة ، موادعا ، مزمعا الرحيل عن الأندلس . وارتاد الجهات ، وراسل الملوك بالعدوة ، فكلّ صمّ عن ندائه ، وسدّ السبيل إليه ، فداخل قوما من مشيخة حصن أندرش حاضرة وطن الجباية ، فاستولى عليه ، وانتقل إليه بجملته ، وراسل الطّاغية ، فتحرّك إلى منازلة حصن وبرة من الحصون التاكرونيّة ، ففازت به قداحه ، واستدعي عمّ السلطان ، وهو الرئيس أبو عبد اللّه بن فرج بن نصر ، من تلمسان ، فدعا إليه ، وشملت الفتنة ، وكانت بينه وبين جيش الحضرة وقائع تناصف فيها القوم خطّتي المساجلة إلى أن نفد صبره وماله ، وسمت فتنته الدولة ، واقتضت مسالمته المصلحة ، فعوهد على التخلّي عن الحصن ، وصرف أميره إلى متبوّئه الأقصى ، وانتقاله إلى مدينة وادي آش ؛ ليكون سكنه بها تحت جرايات مقدّرة ، وذلك في شهر رمضان ثمانية وعشرين وسبعمائة ، وعلى تفيئة ذلك ، عدا على مناوءة أميره ، ففتك به ، واستقدم الشيخ أبا سعيد فأعاده إلى محلّه ، واستمرّت على ذلك حياته إلى مدة حياته ، إلى أن توفي في أخريات أيامه . وفاته : ولمّا نزل العدوّ ثغر أطيبة ، ونهض جيش المسلمين إلى مضايقته ، أصابه المرض . ولمّا أشفى « 1 » نقل « 2 » إلى مالقة ، فكانت بها وفاته يوم الأحد ثاني ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة عن سنّ عاليه تنيف على الثمانين سنة ، ونقل إلى غرناطة ، فووري بها ، وبنيت عليه بنية ضخمة ، وصار أمره إلى ولده . ونقش على قبره في الرخام :
هامش
( 1 ) أشفى : أي أشفى على الموت . ( 2 ) في الأصول : « ونقل » .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 60 | لسان الدين ابن الخطيب