للنّادرة التي تضحكهم ، بذي مهذار ، قليل التصنّع ، بعيد عن التّسمت ، أطمع خلق اللّه وأبخلهم بما لديه ، وأبعدهم في مهاوي الخسّة . أما فلسه ، فمخزون ، وأمّا خوانه ، فمحجوب ، وأمّا زاده ، فممنوع محجور ، وأمّا رفده ، فمعدوم العين والأثر . وأمّا ثوبه ، فحبيس التّحت إلى يوم القيامة ، قد جعل لكل فصل من فصول معاشه ، ونفاضة مخاليه ، وسور دوابه مؤنة ما . فالنّخالة بينة المصرف ، وللسرجين معين الجهة ، وفتات المنديل موقفة على فطور الغد ، ودهن الاستصباح جار في التّجلة والادخار مجرى دهن البلسان .
أخباره : في هذا الباب مغربة ، ولزمت كعبة المنحسة ، وعلق في عنقه طائر الشّؤم ، فلم تنجح له وجهة ، ولا سعدت له حركة ، واستقرّ عند الكائنة على الدولة ، بباب السلطان بالمغرب ، خاطبا في حبل الغادر ، المتوثّب على الملك ، ومعينا للدهر على الأحبّ الحقّ ووليّ النّعمة . ثم بدا له في المقام بالمغرب أمنا واضطرابا . ولمّا رحل السلطان أبو عبد اللّه بن نصر « 1 » المذكور إلى طلب حقه ، وقد أعتبه ، سدّد به رسم الوزارة في طريقه ، كما اضطرّ صياد إلى صحبة كلب مخابت آماله ، ولحقت به المشأمة ، وتبر الجدّ ، واشتهر ذلك ، فعلقت به الشّفقة ، إلى أن خاطب السلطان بعض من يهمّه أمره بهذه الأبيات : [ الطويل ]
كماشكم من أجله انكمش السّعد * إذا ما اطّرحتم شؤمه نجز الوعد
ومن لم تكن للسّعد في بدء أمره * مخيلة نجح ، كيف ترجى له بعد ؟
وتصريفه المشؤوم فلتتذكّروا * وما قلت إلّا بالتي علمت سعد
واقتضى أمره تبرّما به أن صرف من رندة ، وقد استقرّ أمره بها رسولا إلى باب ملك المغرب ؛ لأمور منها استخلاص ولده وإيصاله إليه ، فتعذّر القصد ، وسدّت الأبواب ، وأزفت بدار المغرب عهد بذّ الآزفة ، وتراخى مخنّق مرسله لخلو دسته منه ، فثاب الرّجاء وقرب الفتح ، وساعد السّعد بما طال منه التّعجب . ولمّا بلغ خبر صنع اللّه ، وإفاقة الأيام ، وجبر اللّه السلطان بدخول مالقة في طاعته ، لحق به ، وقد قلقت به الجوانب ، وتنكّرت الوجوه ، وساءت لطيرته الظّنون ، فتوفّر العزم على صرفه عن الأندلس في أوليات رمضان عام ثلاثة وستين وسبعمائة ، فقبض عليه ، وصرف إلى البلاد الشرقية ، وقد شرع في إغراء سلطان قشتالة بالمسلمين ، وكان آخر العهد به ،
هامش
( 1 ) هو سلطان غرناطة الغني بالله أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري ؛ حكم غرناطة من سنة 755 ه إلى سنة 793 ه على مرحلتين . وقد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة وفي اللمحة البدرية ( ص 113 ، 129 ) .