إذا أنست منهم رشدا أو هديا ، وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا ، لتمرّنهم على الاعتياد ، وتحملهم على الازدياد ، ورضهم رياضة الجياد ، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم ، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم . وتدارك الخلق الذّميمة كلّما نجمت ، واقذعها إذا هجمت ، قبل أن يظهر تضعيفها ، ويقوى ضعيفها ، فإن أعجزتك في صغرهم « 1 » الحيل ، عظم الميل : [ البسيط ]
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت * ولن تلين إذا قوّمتها الخشب
وإذا قدروا على التدبير ، وتشوّفوا للمحلّ الكبير ، فلا « 2 » توطّنهم في مكانك ، جهد إمكانك ، وفرّقهم في بلدانك ، تفريق عبدانك . واستعملهم في بعوث جهادك ، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك ، فإنّ حضرتك تشغلهم بالتّحاسد ، والتّباري والتّفاسد . وانظر إليهم بأعين الثّقات ، فإنّ عين الثقة ، تبصر ما لا تبصر عين المحبّة والمقة .
وأمّا الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرّق بها وتجمع ، وتبصر وتسمع ، فرضهم بالصدق والأمانة ، وصنهم صون الجمانة « 3 » ، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته ، والتقليل ممّا استكثرته . واحذر منهم من قويت شهواته ، وضاقت عن هواه لهواته ، فإنّ الشهوات تنازعك في استرقاقه ، وتشاركك في استحقاقه . وخيرهم من ستر ذلك عليك « 4 » بلطف الحيلة ، وآداب للفساد مخيلة « 5 » . وأشرب قلوبهم أنّ الحقّ في كلّ ما حاولته واستنزلته ، وأنّ الباطل في كلّ ما جانبته واعتزلته ، وأنّ من تصفّح منهم أمورك فقد أذنب ، وباين الأدب وتجنّب . وأعط من أكددته ، وأضقت منهم ملكه وشددته ، روحة يشتغل فيها بما يغنيه « 6 » ، على حسب صعوبة ما يعانيه ، تغبطهم فيها بمسارحهم ، وتجمّ كليلة جوارحهم . ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم ، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم ، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك ، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك . وحذّر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك ، بحدّ سلاحك . وامنعهم من التّواثب والتّشاجر ، ولا تحمد لهم شيم التّقاطع والتّهاجر ، واستخلص منهم لسرّك من قلّت في الإفشاء ذنوبه ، وكان أصبرهم « 7 » على ما ينوبه ، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك ، أكثر من رغبته في إحسانك ،
هامش
( 1 ) في النفح : « الصغر » .
( 2 ) في النفح : « إياك أن » .
( 3 ) في الأصل : « الجفانة » ، والتصويب من النفح .
( 4 ) في النفح : « عنه » .
( 5 ) في النفح : « محيلة » بحاء مهملة .
( 6 ) في النفح : « يعنيه » .
( 7 ) في النفح : « أصبر » .