حدّث من امتاز باعتبار الأخبار ، وحاز درجة الاشتهار ، بنقل حوادث الليل والنهار ، وولج بين الكمائم والأزهار ، وتلطّف لخجل الورد من تبسّم البهار ، قال :
سهر الرشيد ليلة « 1 » ، وقد مال في هجر النبيذ ميلة « 2 » ، وجهد ندماؤه في جلب راحته ، وإلمام النوم بساحته ، فشحّت عهادهم « 3 » ، ولم يغن اجتهادهم . فقال : اذهبوا إلى طرق سمّاها ورسمها ، وأمهات قسمها ، فمن عثرتم عليه من طارق ليل ، أو غثاء سيل ، أو ساحب ذيل ، فبلّغوه ، والأمنة سوّغوه ، واستدعوه ، ولا تدعوه . فطاروا عجالى ، وتفرّقوا ركبانا ورجالا ، فلم يكن إلّا ارتداد طرف ، أو فواق حرف « 4 » ، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها ، والبضاعة التي ربحوها ، يتوسّطهم الأشعث الأغبر ، واللّجّ الذي لا يعبر ، شيخ طويل القامة ، ظاهر الاستقامة ، سبلته مشمطّة ، وعلى أنفه من القبح « 5 » مطّة ، وعليه ثوب مرقوع ، لطير الخرق « 6 » عليه وقوع ، يهينم بذكر مسموع ، وينبئ عن وقت مجموع . فلما مثل سلّم ، وما نبس بعدها ولا تكلّم .
فأشار إليه الملك « 7 » فقعد ، بعد أن انشمر وابتعد ، وجلس ، فما استرقّ النظر ولا اختلس ، إنما حركة فكره ، معقودة بزمام ذكره ، ولحظات اعتباره ، في تفاصيل أخباره . فابتدره الرشيد سائلا ، وانحرف إليه مائلا ، وقال : ممن الرجل ؟ فقال :
فارسيّ الأصل ، أعجميّ الجنس عربيّ الفصل ، قال : بلدك ، وأهلك وولدك ؟ قال :
أمّا الولد فولد الدّيوان ، وأمّا البلد فمدينة الإيوان . قال : النّحلة ، وما أعملت إليه الرّحلة ؟ قال : أمّا الرّحلة فالاعتبار ، وأمّا النّحلة فالأمور الكبار ، قال : فنّك ، الذي اشتمل علية دنّك ؟ فقال : الحكمة فنيّ الذي جعلته أثيرا ، وأضجعت منه فراشا وثيرا ، وسبحان الذي يقول :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
« 8 » . وما سوى ذلك فتبيع « 9 » ، ولي فيه مصطاف وتربيع « 10 » . قال : فتعاضد جذل الرشيد وتوفّر ، وكأنما « 11 » غشي وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر ، وقال : ما رأيت كاللّيلة أجمع لأمل شارد ، وأنعم بمؤانسة وارد . يا هذا ، إني سائلك ، ولن تخيب بعد وسائلك ، فأخبرني
هامش
( 1 ) في النفح : « ليله » .
( 2 ) في النفح : « ميله » .
( 3 ) العهاد : جمع عهد وهو أول مطر الوسميّ .
( 4 ) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت . والحرف : الناقة الضامرة .
( 5 ) في النفح : « القبع » . والقبع : الصياح ؛ يقال : قبع فلان إذا صاح .
( 6 ) في النفح : « الحرق » ، بالحاء المهملة .
( 7 ) كلمة « الملك » ساقطة في الأصل ، وقد أضفناها من النفح ، وهي كذلك ساقطة في الريحانة .
( 8 ) سورة البقرة 2 ، الآية 269 .
( 9 ) في النفح : « فتبع » .
( 10 ) في النفح : « ومرتبع » .
( 11 ) في النفح : « كأنما أغشى » .