تكد شعلته تقد حتى خبت ، وعلى ذلك فبلغوا في الزمان القريب من وفور العدّة ، واستجادة الآلة ، وحسن السّيرة ، ما يقضي منه العجب . وانفرد عثمان بالأمر ، وعيّن أخاه أبا ثابت الزعيم إلى إمارة الجيش ، فاستقام الصفّ ، وانضمّ النّشر ، وترتّبت الألقاب ، واستأنفوا الدولة ، وتلقّفوا الكرة ، وقلّ ما أدبر شيء فأقبل . وبادر السلطان بالأندلس مفاتحته مهنّئا ، وللحلف مجدّدا ، بكتاب من إنشائي من فصوله :
« بعد الصّدر والتحميد ، ولا زائد بفضل اللّه المرجو في الشّدائد ، لجميل العوائد ، إلّا ما شرح الصدور ، وأكّد السرور ، وبسط النفوس ، وأضحك الرّسن العبوس ، من اتّساق أمور ذلك الملك لديكم ، واجتماع كلمته عليكم ، وما تعرّفنا أن الدولة الزّيانيّة ، وصل اللّه لبدورها استئناف الكمال ، وأعلى أعلامها في هضاب اليمن والإقبال ، تذكّرت الرسائل القديمة والأذمّة ، وألقت إلى قومها بالأزمّة ، وحنّت إلى عهدهم على طول النّوى ، وأنشد لسان حالها : « نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى » ، فأصبح شتيتك بأهلها مجموعا ، وعلم عليائها بأيدي أوليائها مرفوعا ، وملابس اعتزازها بعد ابتزازها جديدة ، وظلال سعودها على أغوارها ونجودها مديدة ، وقبيلها قد أنجح اللّه في ائتلافه أمل الآمل ، ومبتداها مرفوعا مع وجود العوامل ، والكثير من أوطانها قد سلكت مسلكها في الطاعة ، وتبادرت إلى استباق فضيلة الوفاق بحسب الاستطاعة ، فعظم الاستبشار بأن كان لكم مالها ، وفي إيالتكم انتيالها ، من غير أن يعلق بأسبابها من ليس من أربابها ، ويطمع في اكتسابها من لم يكن في حسابها . وقلنا موارث وجب ، وعاصب حجب ، وركب علج من بعد القفول ، وشمس طلعت من بعد الأفول ، وجيد حلّي بعد ما اشتكى العطل ، وغريم قضى بعد ما مطل ، وطرف تنبّه بعد ما سجع ، ودرّيّ استقام سيره عقب ما رجع ، وقضية انصرف دليلها عن حدود القواطع ، وطرحت عليه أشعة السّعود السّواطع ، لا بل عبد أبق ، لقدر سبق ، حتى إذا راجع نهاه ، وعذله العقل ونهاه ، جنح بعد هجره ، إلى كنف من نشأ في حجره .
وعلمنا أن الدولة التي عرفنا مكارمها قد دالت ، والغمامة التي شكرنا مواقعها قد انثالت ، فجرينا في المسرّة ملء الأعنّة ، وشاركنا في شكر هذه المنّة ، وأصدرنا إليكم هذا الخطاب مهنّئا ، وعن الود الكريم والولاء الصّميم منبيا ، وفي تعزيز ما بين الأسلاف جدّد اللّه عليهم ملابس الرّضوان معيدا مبديا ، وإن تأخّر منه الغرض ، وقضى بهذا العهد واجبه المفترض ، والأعذار واضحة ، وأدلّتها راجحة ، وللضّرار أحكام تمضى ، والفروض للفوات تقضى ، فكيف والاعتقاد الجميل مسيّر مسكّن ، والوقت والحمد للّه متمكن ؟ وما برحنا في مناط اجتهاد ، وترجيح استشهاد ، والأخبار يضطرد مفهومها ، والألفاظ لا يتخصّص عمومها ، والأحاديث يجول في متعارضها النّظر ، ولا
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 41
مساهمون: لسان الدين ابن الخطيب
ص٤١