تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وما هو إلّا الشّوق ثار كمينه * فأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا
وما بي إلّا أن سرى الركب موهنا * وأعمل في رمل الحمى النّصّ والوخدا
وجاشت جنود الصّبر والبين والأسى * لديّ فكان الصّبر أضعفها جندا
ورمت نهوضا واعتزمت مودّعا * فصدّني المقدور عن وجهتي صدّا
رقيق بدت للمشترين عيوبه * ولم تلتفت دعواه فاستوجب الرّدّا
تخلّف عنّي ركب طيبة عانيا * أما آن للعاني المعنّى بأن يفدى ؟
مخلّف سربي « 1 » قد أصيب جناحه * وطرن فلم يسطع مراحا ولا مغدى
نشدتك يا ركب الحجاز ، تضاءلت * لك الأرض مهما استعرض السّهب وامتدّا
وجمّ لك المرعى وأذعنت الصّوى * ولم تفتقد ظلّا ظليلا ولا وردا
إذا أنت شافهت الدّيار بطيبة * وجئت بها القبر المقدّس واللّحدا
وآنست نورا من جناب محمد * يجلّي القلوب الغلف « 2 » والأعين الرّمدا
فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى * وأذر به دمعا وعفّر به خدّا
وقل يا رسول اللّه عبد تقاصرت * خطاه وأضحى من أحبّته فردا
ولم يستطع من بعد ما بعد المدى * سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى
تداركه يا غوث العباد برحمة * فجودك ما أجدى وكفّك ما أندى
أجار بك اللّه العباد من الرّدى * وبوّأهم ظلّا من الأمن ممتدّا
حمى دينك الدّنيا وأقطعك الرّضا * وتوّجك العليا وألبسك الحمدا
وطهّر منك القلب لمّا استخصّه * فجلّله نورا وأوسعه رشدا
دعاه فما ولّى هداه فما غوى * سقاه فما يظمأ ، جلاه فما يصدا
تقدّمت مختارا ، تأخّرت مبعثا * فقد شملت علياؤك القبل والبعدا
وعلّة هذا الكون أنت ، وكلّ ما * أعاد وأنت « 3 » القصد فيه وما أبدى
وهل هو إلّا مظهر أنت سرّه * ليمتاز في الخلق المكبّ من الأهدى
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلي * ملامح نور لاح للطّور فانهدّا
وفي عالم الحسن « 4 » اغتديت مبوّأ * لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنت لولا أن ثبتّ « 5 » هداية * من اللّه مثل الخلق رسما ولا حدّا
هامش
( 1 ) في النفح : « سرب » . ( 2 ) في الأصل : « الغلق » ، والتصويب من النفح . ( 3 ) في النفح : « فأنت » . ( 4 ) في النفح : « الحسّ » . ( 5 ) في الأصل : « بثّت » ، وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح .