حاله : قال ابن عبد الملك : كان « 1 » في وقته شاعر المغرب ، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء . يعترف له بذلك أكابر الأدباء ، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا ، وبعدت على قربها منالا . وشعره كثير مدوّن ، ويشتمل على أكثر من سبعة « 2 » آلاف بيت وأربعمائة بيت . امتدح الأمراء والرؤساء ، وكتب عن بعضهم ، وحظي عندهم حظوة تامة ، واتصل بالأمير أبي عبد اللّه بن سعد « 3 » ، وله فيه أمداح كثيرة . وبعد موته انتقل إلى إشبيلية ، وبملازمته للأمير المذكور ، وكونه في جملته ، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة . ومن أثرته لدى ملوك مراكش ، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن « 4 » يهنّئه بفتح من قصيدة « 5 » : [ الخفيف ]
إنّ خير الفتوح ما جاء « 6 » عفوا * مثل ما يخطب البليغ « 7 » ارتجالا
قالوا : وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا ، فقطع عليه ؛ لحسادة وجدها ، فقال : يا سيدنا ، اهتدم فيه بيت ابن « 8 » وضّاح : [ الرجز ]
خير شراب ما جاء « 9 » عفوا * كأنه خطبة ارتجالا « 10 »
فبدر المنصور ، وهو حينئذ وزير أبيه ، وسنّه في حدود العشرين من عمره ، فقال : إن كان قد اهتدمه ، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف ، فسرّ أبوه لجوابه ، وعجب منه الحاضرون .
ومرّ المنصور أيام إمرته بأونبة « 11 » من أرض شلب ، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم ، وقال : عجبا لهذا الموضع ، يخرج منه مثل هذا العالم . ثم قال : كلّ
هامش
( 1 ) قارن بنفح الطيب ( ج 4 ص 209 ) .
( 2 ) في النفح : « تسعة » .
( 3 ) هو محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش ، أمير بلنسية وشرق الأندلس ، توفي سنة 567 ه . وقد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة .
( 4 ) حكم يوسف بن عبد المؤمن الموحدي المغرب والأندلس ، وتوفي سنة 558 ه . ولم يكن ، هو ومن جاء بعده ، ملوكا ، بل خلفاء . ترجمته في البيان المغرب - قسم الموحدين ( ص 83 ) والحلل الموشية ( ص 119 ) .
( 5 ) البيت في نفح الطيب ( ج 4 ص 209 ) .
( 6 ) في الأصل : « جاءت » ، وكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح .
( 7 ) في النفح : « الخطيب » .
( 8 ) كلمة « ابن » ساقطة في النفح .
( 9 ) في النفح : « كان » .
( 10 ) في الأصل : « ارتجال » ، على أساس مضاف إلى « خطبة » ، وكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح .
( 11 ) في الأصل : « بلوقية » ، والتصويب من النفح . وأونبةHuelva: مدينة تبعد عن لبلة ستة فراسخ .
الروض المعطار ( ص 63 ) .