قرطبة « 1 » في زيّ تقتحمه العين ، وهنا وقلّة ، عديم « 2 » رواء وبهجة ، وعدد وعدّة ، فوق فرس دون مراكب الملوك ، بحلية مختصرة ، سادلا سمل غفارة على ما تحتها من كسوة رثّة ، قدّامه سبع جنائب « 3 » من خيل العامريين دون علم ولا مضطرد ، يسير هونا والناس ينظرون إليه ، ويصيحون بالدّعاء في وجهه . فدخل القصر ، وقلّد حكما المعروف بالقزاز الأعمال والأمر ، وأطلق يده في المال ، وهو الذي يقول فيه الشاعر « 4 » : [ مخلع البسيط ]
هبك كما تدّعي وزيرا * وزير من أنت يا وزير ؟
واللّه ما للأمير معنى * فكيف من وزّر « 5 » الأمير ؟
وضعف « 6 » أمره ، وآثر الناس الوثوب على وزيره ، فأوقع به طائفة من الجند ، وثارت العامة بهشام فخلع في خبر طويل ، ودخل غرناطة مع أخيه المرتضى ، ولحق يوم هزيمته بظاهرها ، بحصن ألبنت إلى أن بويع له بقرطبة يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وأربعمائة .
محنته : ثارت العامة به بقرطبة كما تقدم ، ملتفّة على أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ، يوم الثلاثاء الثاني عشر لذي حجة من سنة اثنتين وأربعمائة ، بسوء تدبير وزيره ، وبادر الاعتصام بعلية القصر ، وأنزل منها إلى ساباط الجامع بالأمان ، فيمن تألّف إليه من ولده وحريمه ، فحدّث بعض سدنة الجامع أنّ أوّل ما سأل الشيوخ ، إحضار كسيرة من خبز يسدّ جوع طفيلة له كان قد احتضنها ، ساترا لها بكمه من قرّ ليلته تلك ، كانت تشكو الجوع ذاهلة عما أحاط به ، فأبكى من كلّمه اعتبارا بعادية الدهر . وأخرج إلى حصن ابن الشرف إلى أن هلك .
وفاته : في صفر ثمان وعشرين وأربعمائة « 7 » . وسنّه نحو أربع « 8 » وستين سنة .
وكان آخر ملوك « 9 » بني أمية بالأندلس .
هامش
( 1 ) دخل قرطبة في الثامن من ذي الحجة سنة 420 ه . المعجب ( ص 110 ) .
( 2 ) في البيان المغرب : « وعدم » .
( 3 ) في الأصل : « خبايب » ، والتصويب من البيان المغرب .
( 4 ) البيتان في البيان المغرب ( ج 3 ص 147 ) .
( 5 ) في الأصل : « وزير » ، وكذا يختلّ الوزن والمعنى معا ، والتصويب من البيان المغرب .
( 6 ) قارن بالبيان المغرب ( ج 3 ص 148 ) .
( 7 ) في المعجب ( ص 110 ) : « مات في سنة 427 ، ولا عقب له » .
( 8 ) في الأصل : « أربعة » وهو خطأ نحوي .
( 9 ) يريد : آخر خلفاء بني أمية .